بحار الانوار الجزء
53
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة
الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الثالث والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان
[2]
الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه - 1983 م
دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش ص. ب 7957 /
11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا:
التراث - تلكس 44632 / LE تراث
[3]
كلمة تفضل بافادتها الحبر العلام حجة
الاسلام الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني دامت بركاته بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلوة على عباده الذين اصطفى. وبعد فيقول العبد أقل خدمة أهل العلم أبو
الحسن بن محمد المدعو بالشعراني أصلح الله حاله: إن كتاب بحار الانوار للشيخ الجليل
المحدث العلامة الحفظة محمد باقر بن محمد تقي المجلسي قدس الله روحه باتفاق أهل
الحل والعقد من علماء أهل البيت أجمع الكتب المصنفة لشتات الأحاديث الشريفة وأشملها
لمتفرقات الأخبار المنيفة وأحصاها لأغراض المذهب وأبينها لمقاصد رواد هذا المشرب
وأكملها في نقل أقوال العلماء، وأسهلها لطالبي الارتواء مع غزارة مادتها وهو بحيث
لا يستغني عنه أحد من المنتحلين إلى الدين سواء كان فقيها أو محدثا أو واعظا أو
مؤرخا أو مفسرا أو متكلما، بل ولو فيلسوفا حكيما إلهيا لجمعه جميع الأغراض، نعم لا
يجوز الغوص في البحار إلا للماهر في السباحة حتى لا يغرق في تيار أمواجها، ولا
يجتني من قعرها إلا درها من أثباجها. وكان مؤلفها أعلى الله مقامه وفق للعثور على
كنوز علم لا يتفق لكل أحد فقد اجتمع عنده من كتب أصحابنا الأوائل والنسخ النادرة
الوجود ما لا يحصل في كل زمان وكل بلد فاغتنم الفرصة وجمعها في كتاب لئلا تتفرق
وتضيع ولو كان غرضه الاكتفاء بنقل السمين وترك الغث لفعل لكن لم يفعل لأغراض ولعل
منها قصر الوقت وضيق الفرصة أو فتح باب الاجتهاد ودفع توهم من يظن أن المحدثين
يتركون ما يخالف غرضهم ويباين مذهبهم عمدا حسما لاحتجاج الخصم به كما ترك بعضهم من
غيرنا نقل حديث الغدير فجمع رحمه الله كل شئ وجده وترك البحث فيها لمن بعده.
[4]
وكان هذا الكتاب مع سعته وطوله وثقل حجمه
وكثرة أجزائه مرغوبا متداولا، وقد طبع جميع مجلداته وأحسن الطبعات هي المشهورة بطبع
الكمباني مشتملة على جميع أجزاء الكتاب إذ تصدى لتصحيحها ومقابلتها جماعة من أعاظم
علماء وقته من الماهرين في الأدب والحديث المتتبعين للكتب بعناية تامة، إلا أن
الزمان طال عليها، وفقدت نسخه في زماننا مع كثرة طالبيه، وزاد قيمتها على طاقة
المستفيدين، وربما اجتهد أحدهم في الطلب حتى يحصل على دورة كاملة فلا يرجع إلا بخفي
حنين ولا يتفق له إلا مجلدات مبتورة بعد أعوام وسنين، إلى أن حدا دواعي النفوس
جماعة إلى تجديد طبعه فشرعوا فيه وخرج منه مجلدات بجهد جهيد وكد كديد وحدثت حوادث
فحالت بينهم وبين الطبع موانع الأسباب وقصرت بهم الازمات، وبذل الناس لطبعه أموالا
جزيلة رجاء الحصول على أمل لم يتحقق فأيسوا عن الكتاب وعما بذلوا حتى وكان يسئل
بعضهم بعضا " متى هذا الوعد إن كنتم صادقين " وكان الجواب لن يخرج إلى الوجود " ما
اختلف الملوان وتعاقب العصران وكر الجديدان واستقبل الفرقدان ". إلى أن طلع نجم
ولاح ضوء وبرق لامع واستنار أفق، أزال ظلمة اليأس وتصدى له من لا يثنيه عن عزمه
الحدثان، ولا يبطئه تلاعب الأزمان، ووقعت القوس في يد باريها، وظهر بعض مجلدات
الكتاب مطبوعة على أحسن صورة وكانت بشارة بسرعة العمل ووعدا قريبا بحصول الأمل من
المكتبة الاسلامية الشريفة المشهورة باتقان الصنع وإنجاز الوعد والاسراع في الوفاء
بالعهد، وكان من محاسن ما رأيت من الأجزاء المطبوعة، الصحة ومطابقة نسخة الكمباني،
ويزيد عليها بذكر بعض كلمات تخالف المصادر ومما يمتاز به إنشاء الله أن يتجرد عن
ذكر أمور تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع ولا فائدة فيها، ولا حاجة للعلماء إليها
ولا يعجز عنها احد وصرف الوقت والعمل فيها تسويف بغير علة وترجئة لغير سبب وهم إلى
أصل الكتاب أحوج، والاسراع إلى إكمال الطبع عندهم أرضى وأحب. وفق الله الناشرين
والمصححين والساعين في طبع الكتب الدينية وشركهم في ثواب علم العالمين وعمل
العاملين بمحمد وآله الطاهرين.
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 25 (باب) * (ما
يكون عند ظهوره عليه السلام) * (برواية المفضل بن عمر) أقول: روي في بعض مؤلفات
أصحابنا، عن الحسين بن حمدان، عن محمد ابن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسني، عن أبي
شعيب [و] محمد بن نصير، عن عمر بن الفرات، عن محمد بن المفضل، عن المفضل بن عمر (1)
قال: سألت سيدي الصادق عليه السلام هل للمأمور المنتظر المهدي عليه السلام من وقت
موقت يعلمه الناس ؟ فقال: حاش لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا، قلت: يا سيدي
ولم ذاك ؟ قال: لأنه هو الساعة التي قال الله تعالى: " ويسئلونك عن الساعة
(1) عنونه النجاشي ص 326 وقال: " أبو عبد
الله وقيل أبو محمد الجعفي، كوفي فاسد المذهب، مضطرب الرواية، لا يعبأ به، وقيل انه
كان خطابيا، وقد ذكرت له مصنفات لا يعول عليها " وعنونه العلامة في الخلاصة وقال: "
متهافت، مرتفع القول، خطابي " وزاد الغضائري: " أنه قد زيد عليه شئ كثير وحمل
الغلاة في حديثه حملا عظيما لا يجوز أن يكتب حديثه ". أقول: كيف يكون في أصحاب
الائمة عليهم السلام رجل فاسد المذهب، كذاب غال، مع أنهم عليهم السلام كانوا
متوسمين: يعرفون كلا بسيماه وحليته وسريرته، وقد روى أنهم كانوا يحجبون بعض شيعتهم
عن الورود عليهم، لفسقه أو فساد عقيدته أو عدم تحرجه عن الاثام. فكيف لم يحجبوا
مفضل بن عمر وأضرابه الموصوفين بكذا وكذا، ولم يلعنوهم =
[2]
أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا
يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات و الأرض " (1). الآية [وهو الساعة التي قال
الله تعالى " يسئلونك عن الساعة أيان مرساها "] (2) وقال " عنده علم الساعة " (3)
ولم يقل إنها عند أحد وقال " فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها
" الآية (4) وقال " اقتربت الساعة وانشق القمر " (5) وقال " ما يدريك لعل الساعة
تكون قريبا " (6) " يستعجل بها (7) الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها
ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ". قلت: فما معنى
يمارون ؟ قال: يقولون متى ولد ؟ ومن رأى ؟ وأين يكون ؟ ومتى يظهر ؟ وكل ذلك
استعجالا لأمر الله، وشكا في قضائه، ودخولا في قدرته * (هامش ص 2) * (1) الاعراف:
186. (2) النازعات: 42، والظاهر أنها تكرار. (3) لقمان: 34 والزخرف: 61. (4)
القتال: 18. (5) القمر: 1. (6) الاحزاب: 63. (7) وقبله: وما يدريك لعل الساعة قريب
يستعجل " الاية 17 و 18 من سورة الشورى.= ولم يكذبوهم ولم يطردوهم ؟. بل الظاهر
الحق ان مفضل بن عمر الجعفي، وجابر بن يزيد الجعفي، ويونس بن ظبيان وأضرابهم ممن
أخذوا عن الصادقين عليهما السلام كانوا صحيحي الاعتقاد، صالحي الرواية، صادقي
اللهجة متحرجين عن الكذب وسائر الاثام، غير أنه قد كذب عليهم، وزيد في رواياتهم،
واختلق عليهم، وانما أتوا من قبل الغلاة وأشباههم ممن أرادوا أن يهدموا أساس
المذهب، فكذبوا وزادوا واختلقوا أحاديث ونسبوه إلى أصحاب الائمة الصادقين نصرة
لمذهبهم وترويجا لمرامهم الفاسد كما فعلت المرجئة والقدرية، فوضعوا أحاديث ونسبوه
إلى المعروفين من أصحاب رسول الله. فإذا لابد وان نحقق عن حال من اسند عنه فنرى في
الحديث محمد بن نصير وهو النميري الكذاب الغال الخبيث المدعى للنيابة على ما في
غيبة الشيخ ص 250 - وقد مر في ج 51 ص 367 و 368 شطر من ترجمته - يروى عن عمر بن
الفرات الكاتب البغدادي = (*)
[3]
أولئك الذين خسروا الدنيا وإن للكافرين
لشر مآب. قلت: أفلا يوقت له وقت ؟ فقال: يا مفضل لا اوقت له وقتا ولا يوقت له وقت،
إن من وقت لمهدينا وقتا فقد شارك الله تعالى في علمه، وادعى أنه ظهر على سره، وما
لله من سر إلا وقد وقع إلى هذا الخلق المعكوس الضال عن الله الراغب عن أولياء الله،
وما لله من خبر إلا وهم أخص به لسره، وهو عندهم وإنما ألقى الله إليهم ليكون حجة
عليهم. قال المفضل: يا مولاي ! فكيف بدؤ ظهور المهدي عليه السلام وإليه التسليم ؟
قال عليه السلام: يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين، فيعلو ذكره، ويظهر أمره، وينادي
باسمه وكنيته ونسبه ويكثر ذلك على أفواه المحقين والمبطلين والموافقين والمخالفين
= الغالي ذو المناكير، عن محمد بن المفضل
بن عمر: مهمل أو مجهول، ولكن الظاهر أن الكذب انما جاء من قبل البغدادي الكاتب ذي
المناكير، وهو الذي كتب وصنف هذا الحديث وسردها بطوله، أو الجاعل هو نفس النميري.
ولذلك ترى أنه يعرف في طيه محمد بن نصير النميري بعنوان نيابة الامام عليه السلام
وأنه يقعد بصابر وهو اسم سكة في مرو، مع ما مر في ج 51 ص 368 عن غيبة الشيخ انه كان
يدعى انه رسول نبي ويقول بالتناسخ ويقول في أبي الحسن الهادي بالربوبية ويقول
بالاجابة للمحارم وتحليل نكاح الرجال وأنه من التواضع. فاعتمد الكاتب إلى أحاديث
صحيحة أو حسنة، واخرى ضعيفة أو مجعولة، فزاد عليها من مخائله. وجمع بين مضامينها
ولعب فيها كالقصاصين الدجالين فراجع ج 52 باب 23 و 24 ترى مضامين هذا الحديث منبثة
فيها بين صحيح وسقيم. فالرجل - أعني المفضل بن عمر الجعفي - من أصحاب الصادق
الممدوحين وقد عده الشيخ المفيد في الارشاد ص 270 من شيوخ أصحاب أبي عبد الله عليه
السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين رحمة الله عليهم، وبذلك وصفه الشيخ
في كتاب الغيبة ص 223 وروى في مدحه أحاديث، وروى الكشى في ص 206 و 256 أحاديث في
مدحه، وذكر الكليني في روضة الكافي ص 373 حديثا يقتضى مدحه والثناء عليه، فراجع.
[4]
لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به على أنه قد
قصصنا ودللنا عليه، ونسبناه وسميناه وكنيناه، وقلنا سمي جده رسول الله صلى الله
عليه وآله وكنيه لئلا يقول الناس: ما عرفنا له اسما ولا كنية ولا نسبا. والله
ليتحقق الايضاح به وباسمه ونسبه وكنيته على ألسنتهم، حتى ليسميه بعضهم لبعض، كل ذلك
للزوم الحجة عليهم، ثم يظهره الله كما وعد به جده صلى الله عليه وآله في قوله عزوجل
" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون "
(1). قال المفضل: يا مولاي فما تأويل قوله تعالى: " ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون " قال عليه السلام: هو قوله تعالى " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون
الدين كله لله " (2) فوالله يا مفضل ليرفع عن الملل والأديان الاختلاف ويكون الدين
كله واحدا كما قال جل ذكره " إن الدين عند الله الإسلام " (3) وقال الله " ومن يبتغ
غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " (4). قال المفضل: قلت:
يا سيدي ومولاي والدين الذي في آبائه إبراهيم ونوح وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه
وآله هو الاسلام ؟ قال: نعم يا مفضل، هو الاسلام لا غير. قلت: يا مولاي أتجده في
كتاب الله ؟ قال: نعم من أوله إلى آخره ومنه هذه الآية " إن الدين عند الله الاسلام
" وقوله تعالى " ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين " (5) ومنه قوله تعالى في قصة
إبراهيم وإسماعيل " واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " (6) وقوله تعالى
في قصة فرعون " حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو
إسرائيل وأنا من المسلمين " (7) وفي قصة سليمان وبلقيس " قبل أن يأتوني مسلمين "
وقولها " أسلمت مع سليمان لله
(1) براءة: 34. (2) الانفال: 39. (3) آل
عمران: 19. (4) آل عمران: 85. (5) الحج: 78. (6) البقرة: 128. (7) يونس: 90.
[5]
رب العالمين " (1). وقول عيسى عليه السلام
" من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون "
(2) وقوله عزوجل " وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها " (3) وقوله في قصة
لوط " فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " (4) وقوله " قولوا آمنا بالله وما أنزل
إلينا - إلى قوله - لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " (5) وقوله تعالى " أم
كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت - إلى قوله - ونحن له مسلمون " (6). قلت: يا سيدي كم
الملل ؟ قال: أربعة وهي شرائع قال المفضل: قلت: يا سيدي المجوس لم سموا المجوس ؟
قال عليه السلام: لأنهم تمجسوا في السريانية وادعوا على آدم وعلى شيث وهو هبة الله
أنهما أطلقا لهم نكاح الامهات والأخوات والبنات والخالات والعمات والمحرمات من
النساء، وأنهما أمراهم أن يصلوا إلى الشمس حيث وقفت في السماء ولم يجعلا لصلاتهم
وقتا، وإنما هو افتراء على الله الكذب وعلى آدم وشيث عليهما السلام. قال المفضل: يا
مولاي وسيدي لم سمي قوم موسى اليهود ؟ قال عليه السلام: لقول الله عزوجل " إنا هدنا
إليك " (7) أي اهتدينا إليك قال: فالنصارى ؟ قال عليه السلام: لقول عيسى عليه
السلام " من أنصاري إلى الله " وتلا الآية (8) إلى آخرها فسموا النصارى لنصرة دين
الله ؟ قال المفضل: فقلت: يا مولاي فلم سمي الصابئون الصابئين ؟ فقال عليه السلام:
إنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء والرسل والملل والشرائع، وقالوا: كلما جاؤا به باطل،
فجحدوا توحيد الله تعالى، ونبوة الأنبياء، ورسالة المرسلين، ووصية
(1) النمل: 31 و 44. (2) آل عمران: 52.
(3) آل عمران: 83. (4) الذاريات: 36. (5) البقرة: 136. (6) البقرة: 133. (7)
الاعراف: 155. (8) آل عمران: 52.
[6]
الأوصياء، فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا
رسول، وهم معطلة العالم. قال المفضل: سبحان الله ما أجل هذا من علم ؟ قال عليه
السلام: نعم، يا مفضل فألقه إلى شيعتنا لئلا يشكوا في الدين. قال المفضل: يا سيدي
ففي اي بقعة يظهر المهدي ؟ قال عليه السلام: لا تراه عين في وقت ظهوره إلا رأته كل
عين، فمن قال لكم غير هذا فكذبوه. قال المفضل: يا سيدي ولا يرى وقت ولادته ؟ قال:
بلى والله، ليرى من ساعة ولادته إلى ساعة وفاة أبيه سنتين وتسعة أشهر أول ولادته
وقت الفجر من ليلة الجمعة، لثمان خلون من شعبان سنة سبع وخمسين ومائتين إلى يوم
الجمعة لثمان خلون من ربيع الأول من سنة ستين ومائتين وهو يوم وفاة أبيه بالمدينة
التي بشاطئ دجلة يبنيها المتكبر الجبار المسمى باسم جعفر، الضال الملقب بالمتوكل
وهو المتأكل لعنه الله تعالى وهي مدينة تدعى بسر من رأى وهي ساء من رأى، يرى شخصه
المؤمن المحق سنة ستين ومائتين ولا يراه المشكك المرتاب، وينفذ فيها أمره ونهيه،
ويغيب عنها فيظهر في القصر بصابر (1) بجانب المدينة في حرم جده رسول الله صلى الله
عليه وآله فيلقاه هناك من يسعده الله بالنظر إليه، ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست
وستين ومائتين فلا تراه عين أحد حتى يراه كل أحد وكل عين. قال المفضل: قلت: يا سيدي
فمن يخاطبه ولمن يخاطب ؟ قال الصادق عليه السلام: تخاطبه الملائكة والمؤمنون من
الجن ويخرج أمره ونهيه إلى ثقاته وولاته ووكلائه ويقعد ببابه محمد بن نصير النميري
في يوم غيبته بصابر ثم يظهر بمكة. ووالله يا مفضل كأني أنظر إليه دخل مكة وعليه
بردة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى رأسه عمامة صفراء، وفي رجليه نعلا رسول
الله صلى الله عليه وآله المخصوفة وفي يده هراوته عليه السلام يسوق بين يديه عنازا
عجافا (2) حتى يصل بها نحو البيت
(1) صابر بفتح الباء كهاجر سكة في مرو
قاله الفيروز آبادي. (2) عناز بالكسر " جمع عنز وهي الانثى من المعز، وقيل إذا أتى
عليها حول. وعجاف - أيضا بالكسر - جمع عجفاء وهي المهزولة الضعيفة والهراوة: هي
العصا الضخمة.
[7]
ليس ثم احد يعرفه، ويظهر وهو شاب. قال
المفضل: يا سيدي يعود شابا أو يظهر في شيبة ؟ فقال عليه السلام: سبحان الله وهل
يعرف ذلك ؟ يظهر كيف شاء وبأي صورة شاء إذا جاءه الأمر من الله تعالى مجده وجل
ذكره. قال المفضل: يا سيدي فمن أين يظهر وكيف يظهر ؟ قال: يا مفضل يظهر وحده ويأتي
البيت وحده، ويلج الكعبة وحده، ويجن عليه الليل وحده، فإذا نامت العيون و غسق الليل
نزل إليه جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، والملائكة صفوفا فيقول له جبرئيل: يا سيدي
قولك مقبول، وأمرك جائز، فيمسح عليه السلام يده على وجهه ويقول: " الحمد لله الذي
صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين " (1). ويقف
بين الركن والمقام، فيصرخ صرخة فيقول: يا معاشر نقبائي وأهل خاصتي ومن ذخرهم الله
لنصرتي قبل ظهوري على وجه الأرض ! ائتوني طائعين ! فترد صيحته عليه السلام عليهم
وهم على محاريبهم، وعلى فرشهم، في شرق الأرض وغربها فيسمعونه في صيحة واحدة في أذن
كل رجل، فيجيئون نحوها، ولا يمضي لهم إلا كلمحة بصر، حتى يكون كلهم بين يديه عليه
السلام بين الركن والمقام. فيأمر الله عزوجل النور فيصير عمودا من الأرض إلى السماء
فيستضئ به كل مؤمن على وجه الأرض، ويدخل عليه نور من جوف بيته، فتفرح نفوس المؤمنين
بذلك النور، وهم لا يعلمون بظهور قائمنا أهل البيت عليه وعليهم السلام. ثم يصبحون
وقوفا بين يديه، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا بعدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وآله يوم بدر. قال المفضل: يا مولاي يا سيدي فاثنان وسبعون رجلا الذين قتلوا مع
الحسين بن علي عليهما السلام يظهرون معهم ؟ قال: يظهر منهم أبو عبد الله الحسين بن
علي عليهما السلام في اثني عشر ألفا مؤمنين من شيعة علي عليه السلام وعليه عمامة
سوداء.
(1) الزمر: 74.
[8]
قال المفضل: يا سيدي فبغير سنة القائم
عليه السلام بايعوا له قبل ظهوره وقبل قيامه ؟ فقال عليه السلام: يا مفضل كل بيعة
قبل ظهور القائم عليه السلام فبيعته كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع لها
والمبايع له، بل يا مفضل يسند القائم عليه السلام ظهره إلى الحرم، ويمد يده فترى
بيضاء من غير سوء ويقول: هذه يد الله، وعن الله، وبأمر الله ثم يتلو هذه الآية: "
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على
نفسه " (1) الآية. فيكون أول من يقبل يده جبرئيل عليه السلام ثم يبايعه وتبايعه
الملائكة ونجباء الجن، ثم النقباء ويصبح الناس بمكة، فيقولون: من هذا الرجل الذي
بجانب الكعبة ؟ وما هذا الخلق الذين معه ؟ وما هذه الآية التي رأيناها الليلة ولم
تر مثلها ؟ فيقول بعضهم لبعض: هذا الرجل هو صاحب العنيزات (2). فيقول بعضهم لبعض:
انظروا هل تعرفون أحدا ممن معه، فيقولون: لا نعرف أحدا منهم إلا أربعة من أهل مكة،
وأربعة من أهل المدينة، وهم فلان وفلان و يعدونهم بأسمائهم، ويكون هذا أول طلوع
الشمس في ذلك اليوم، فإذا طلعت الشمس وأضاءت صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان
عربي مبين، يسمع من في السماوات والأرضين: يا معشر الخلائق ! هذا مهدي آل محمد -
ويسميه باسم جده رسول الله صلى الله عليه وآله ويكنيه، وينسبه إلى أبيه الحسن
الحادي عشر إلى الحسين بن علي صلوات الله عليهم أجمعين - بايعوه تهتدوا، ولا
تخالفوا أمره فتضلوا. فأول من يقبل يده الملائكة، ثم الجن، ثم النقباء ويقولون:
سمعنا وأطعنا ولا يبقى ذو اذن من الخلائق إلا سمع ذلك النداء، وتقبل الخلائق من
البدو والحضر والبر والبحر، يحدث بعضهم بعضا ويستفهم بعضهم بعضا ما سمعوا بآذانهم.
فإذا دنت الشمس للغروب، صرخ صارخ من مغربها: يا معشر الخلائق قد ظهر ربكم بوادي
اليابس من أرض فلسطين وهو عثمان بن عنبسة الاموي من ولد
(1) الفتح: 10. (2) العنيزات: جمع عنيزة
وهي تصغير عنز انثى المعز ولاجل هزالها سماها عنيزات.
[9]
يزيد بن معاوية فبايعوه تهتدوا، ولا
تخالفوا عليه فتضلوا، فيرد عليه الملائكة والجن والنقباء قوله، ويكذبونه، ويقولون
له: سمعنا وعصينا، ولا يبقى ذوشك ولا مرتاب ولا منافق ولا كافر إلا ضل بالنداء
الأخير. وسيدنا القائم عليه السلام مسند ظهره إلى الكعبة، ويقول: يا معشر الخلائق
ألا ومن أراد أن ينظر إلى آدم وشيث، فها أنا ذا آدم وشيث، ألا ومن أراد أن ينظر إلى
نوح وولده سام فها أنا ذا نوح وسام، ألا ومن أراد أن ينظر إلى إبراهيم وإسماعيل فها
أنا ذا إبراهيم وإسماعيل، ألا ومن أراد أن ينظر إلى موسى ويوشع، فها أنا ذا موسى
ويوشع، ألا ومن أراد أن ينظر إلى عيسى وشمعون فها أنا ذا عيسى وشمعون. ألا ومن أراد
أن ينظر إلى محمد وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فها أنا ذا محمد صلى الله عليه
وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، ألا ومن أراد أن ينظر إلى الحسن والحسين عليهما
السلام فها أنا ذا الحسن والحسين، ألا ومن أراد أن ينظر إلى الأئمة من ولد الحسين
عليهم السلام فها أنا ذا الأئمة عليهم السلام أجيبوا إلى مسألتي، فاني أنبئكم بما
نبئتم به وما لم تنبئوا به. ومن كان يقرأ الكتب والصحف فليسمع مني، ثم يبتدئ بالصحف
التي أنزلها الله على آدم وشيث عليهما السلام، ويقول أمة آدم وشيث هبة الله: هذه
والله هي الصحف حقا، ولقد أرانا ما لم نكن نعلمه فيها، وما كان خفي علينا، وما كان
أسقط منها و بدل وحرف، ثم يقرأ صحف نوح وصحف إبراهيم والتوراة والانجيل والزبور
فيقول أهل التوراة والانجيل والزبور: هذه والله صحف نوح وإبراهيم عليهما السلام
حقا، وما اسقط منها وبدل وحرف منها هذه والله التوراة الجامعة والزبور التام
والانجيل الكامل وإنها أضعاف ما قرأنا منها (1). ثم يتلو القرآن فيقول المسلمون:
هذا والله القرآن حقا الذي أنزله الله
(1) يعلم الباحث المطالع أن صحف آدم وشيث
وصحف نوح وابراهيم وهكذا زبور داود عليهم السلام قد ضاعت بضياع أممهم، وليس الان
رجل في أقطار الارض يقرء هذه الصحف أو يتدين بها.
[10]
على محمد صلى الله عليه وآله، وما اسقط
منه وحرف وبدل. ثم تظهر الدابة بين الركن والمقام، فتكتب في وجه المؤمن " مؤمن "
وفي وجه الكافر " كافر " ثم يقبل على القائم عليه السلام رجل وجهه إلى قفاه، وقفاه
إلى صدره (1) ويقف بين يديه فيقول: يا سيدي أنا بشير أمرني ملك من الملائكة أن ألحق
بك وأبشرك بهلاك جيش السفياني بالبيداء فيقول له القائم عليه السلام: بين قصتك وقصة
أخيك. فيقول الرجل كنت وأخي في جيش السفياني وخربنا الدنيا من دمشق إلى الزوراء
وتركناها جماء، وخربنا الكوفة وخربنا المدينة، وكسرنا المنبر (2) وراثت بغالنا في
مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وخرجنا منها وعددنا ثلاثمائة ألف رجل نريد إخراب
البيت، وقتل أهله، فلما صرنا في البيداء عرسنا فيها، فصاح بنا صائح يا بيداء أبيدي
القوم الظالمين فانفجرت الأرض، وابتلعت كل الجيش، فوالله ما بقي على وجه الأرض عقال
ناقة فما سواه غيري وغير أخي. فإذا نحن بملك قد ضرب وجوهنا فصارت إلى ورائنا كما
ترى، فقال لأخي: ويلك يا نذير ! امض إلى الملعون السفياني بدمشق، فأنذره بظهور
المهدي من آل محمد عليهم السلام، وعرفه أن الله قد أهلك جيشه بالبيداء، وقال لي: يا
بشير الحق بالمهدي بمكة وبشره بهلاك الظالمين، وتب على يده، فإنه يقبل توبتك، فيمر
القائم عليه السلام يده على وجهه فيرده سويا كما كان، ويبايعه ويكون معه. قال
المفضل: يا سيدي ! وتظهر الملائكة والجن للناس ؟ قال: إي والله يا مفضل، ويخاطبونهم
كما يكون الرجل مع حاشيته وأهله، قلت: يا سيدي ويسيرون معه ؟ قال: إي والله يا مفضل
ولينزلن أرض الهجرة ما بين الكوفة والنجف
(1) قد مر في باب 23 و 24 أن جيش السفياني
يخسف بهم غير رجلين يحول وجههما إلى أقفيتهما، وأما أن " قفاه إلى صدره " فلا معنى
له معقول. (2) هذا أيضا من مخائله، فان جيش السفياني لا تصل إلى المدينة بل يخسف
بهم بالبيداء حين يتوجهون إليها من دمشق.
[11]
وعدد أصحابه عليه السلام حينئذ ستة
وأربعون الفا من الملائكة وستة آلاف من الجن وفي رواية أخرى: ومثلها من الجن بهم
ينصره الله ويفتح على يديه. قال المفضل: فما يصنع بأهل مكة ؟ قال: يدعوهم بالحكمة
والموعظة الحسنة، فيطيعونه ويستخلف فيهم رجلا من أهل بيته، ويخرج يريد المدينة. قال
المفضل: يا سيدي فما يصنع بالبيت ؟ قال: ينقضه فلا يدع منه إلا القواعد التي هي أول
بيت وضع للناس ببكة في عهد آدم عليه السلام والذي رفعه إبراهيم وإسماعيل عليهما
السلام منها وإن الذي بني بعدهما لم يبنه نبي ولا وصي، ثم يبنيه كما يشاء الله
وليعفين آثار الظالمين بمكة والمدينة والعراق وسائر الأقاليم، وليهدمن مسجد الكوفة،
وليبنيه على بنيانه الأول، وليهدمن القصر العتيق، ملعون ملعون من بناه. قال المفضل:
يا سيدي يقيم بمكة ؟ قال: لا يا مفضل بل يستخلف منها رجلا من أهله، فإذا سار منها
وثبوا عليه فيقتلونه، فيرجع إليهم فيأتونه مهطعين مقنعي رؤسهم يبكون ويتضرعون،
ويقولون: يا مهدي آل محمد التوبة التوبة فيعظهم وينذرهم، ويحذرهم، ويستخلف عليهم
منهم خليفة ويسير، فيثبون عليه بعده فيقتلونه فيرد إليهم أنصاره من الجن والنقباء
ويقول لهم: ارجعوا فلا تبقوا منهم بشرا إلا من آمن، فلولا أن رحمة ربكم وسعت كل شئ
وأنا تلك الرحمة لرجعت إليهم معكم، فقد قطعوا الأعذار بينهم وبين الله، وبيني
وبينهم، فيرجعون إليهم، فوالله لا يسلم من المائة منهم واحد لا والله ولا من ألف
واحد. قال المفضل: قلت: يا سيدي فأين تكون دار المهدي، ومجتمع المؤمنين ؟ قال: دار
ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة،
وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين. قال المفضل: يا مولاي كل المؤمنين يكونون
بالكوفة ؟ قال: إي والله لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها، وليبلغن مجالة فرس
منها ألفي درهم وليودن أكثر الناس أنه اشترى شبرا من أرض السبع بشبر من ذهب، والسبع
[12]
خطة من خطط همدان، وليصيرن الكوفة أربعة
وخمسين ميلا وليجاورن قصورها كربلا، وليصيرن الله كربلاء معقلا ومقاما تختلف فيه
الملائكة والمؤمنون وليكونن لها شأن من الشأن، وليكونن فيها من البركات ما لو وقف
مؤمن ودعا ربه بدعوة لأعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرة. ثم تنفس
أبو عبد الله عليه السلام وقال: يا مفضل إن بقاع الأرض تفاخرت: ففخرت كعبة البيت
الحرام، على بقعة كربلا، فأوحى الله إليها أن اسكتي كعبة البيت الحرام، ولا تفتخري
على كربلا، فانها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة، وإنها الربوة
التي أويت إليها مريم والمسيح وإنها الدالية (1) التي غسل فيها رأس الحسين عليه
السلام وفيها غسلت مريم عيسى عليه السلام واغتسلت من ولادتها وإنها خير بقعة عرج
رسول الله صلى الله عليه وآله منها وقت غيبته، وليكونن لشيعتنا فيها خيرة إلى ظهور
قائمنا عليه السلام. قال المفضل: يا سيدي ثم يسير المهدي إلى أين ؟ قال عليه
السلام: إلى مدينة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا وردها كان له فيها مقام
عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين. قال المفضل: يا سيدي ما هو ذاك ؟ قال:
يرد إلى قبر جده صلى الله عليه وآله فيقول: يا معاشر الخلائق، هذا قبر جدي رسول
الله صلى الله عليه وآله ؟ فيقولون: نعم يا مهدي آل محمد فيقول: ومن معه في القبر ؟
فيقولون: صاحباه وضجيعاه أبو بكر وعمر، فيقول وهو أعلم بهما والخلائق كلهم جميعا
يسمعون: من أبو بكر وعمر ؟ وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلى الله عليه
وآله، وعسى المدفون غيرهما. فيقول الناس: يا مهدي آل محمد صلى الله عليه وآله ما
ههنا غيرهما إنهما دفنا معه لأنهما خليفتا رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوا
زوجتيه، فيقول للخلق بعد ثلاث: أخرجوهما من قبريهما، فيخرجان غضين طريين لم يتغير
خلقهما، ولم يشحب لونهما
(1) الدالية المنجنون يديره الثور،
والناعورة يديرها الماء. وكأنه يريد ماء الفرات.
[13]
فيقول: هل فيكم من يعرفهما ؟ فيقولون:
نعرفهما بالصفة وليس ضجيعا جدك غيرهما، فيقول: هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك
فيهما ؟ فيقولون: لا فيؤخر إخراجهما ثلاثة ايام، ثم ينتشر الخبر في الناس ويحضر
المهدي ويكشف الجدران عن القبرين، ويقول للنقباء: ابحثوا عنهما وانبشوهما. فيبحثون
بأيديهم حتى يصلون إليهما. فيخرجان غضين طريين كصورتهما فيكشف عنهما أكفانهما ويأمر
برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها، فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها (1).
فيقول المرتابون من أهل ولايتهما: هذا والله الشرف حقا، ولقد فزنا بمحبتهما
وولايتهما، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما وولايتهما،
فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما وينادي منادي المهدي عليه السلام: كل من أحب
صاحبي رسول الله صلى الله عليه وآله وضجيعيه، فلينفرد جانبا، فتتجزء الخلق جزئين
أحدهما موال والآخر متبرئ منهما. فيعرض المهدي عليه السلام على أوليائهما البراءة
منهما فيقولون: يا مهدي آل رسول الله صلى الله عليه وآله نحن لم نتبرأ منهما، ولسنا
نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة، وهذا الذي بدا لنا من فضلهما، أنتبرأ
الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت ؟ من نضارتهما وغضاضتهما،
وحياة الشجرة بهما ؟ بل والله نتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما، ومن صلبهما،
وأخرجهما، وفعل بهما ما فعل فيأمر المهدي عليه السلام ريحا سوداء فتهب عليهم
فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية. ثم يأمر بانزالهما فينزلان إليه فيحييهما باذن الله
تعالى ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور (2) حتى
يقص عليهم
(1) قد مر في ج 52 باب 24 أحاديث في ذلك
مع ضعف أسنادها، ولكن كاتب هذا الحديث أبرزها بصورة قصصية تأباه سنة الله التي قد
خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. (2) كأن قاص هذا الخبر كان يقول بالكور
والدور وأن كل رجل يعيش في دار الدنيا في كل كور ودور فيكون عيشه في دار الدنيا
مرات عديدة، ولذلك يستحثهما بالسؤال عن الافعال التي صدرت منهما في تلك الاكوار
والادوار.
[14]
قتل هابيل بن آدم عليه السلام، وجمع النار
لإبراهيم عليه السلام، وطرح يوسف عليه السلام في الجب، وحبس يونس عليه السلام في
الحوت، وقتل يحيى عليه السلام، وصلب عيسى عليه السلام وعذاب جرجيس ودانيال عليهما
السلام، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار (1) على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن
والحسين عليهم السلام لاحراقهم بها، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس
بطنها وإسقاطها محسنا، وسم الحسن عليه السلام وقتل الحسين عليه السلام، وذبح أطفاله
وبني عمه وأنصاره، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله وإراقة دماء آل محمد
صلى الله عليه وآله، وكل دم سفك، وكل فرج نكح حراما، وكل رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم
وجور وغشم منذ عهد آدم عليه السلام إلى وقت قيام قائمنا عليه السلام كل ذلك يعدده
عليه السلام عليهما، ويلزمهما إياه فيعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك
الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة و يأمر نارا تخرج من الأرض فتحرقهما
والشجرة ثم يأمر ريحا فتنسفهما في اليم نسفا. قال المفضل: يا سيدي ذلك آخر عذابهما
؟ قال: هيهات يا مفضل والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله
عليه وآله والصديق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم
السلام وكل من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا، وليقتصن منهما لجميعهم حتى
أنهما ليقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة، ويردان إلى ما شاء ربهما. ثم يسير المهدي
عليه السلام إلى الكوفة وينزل ما بين الكوفة والنجف، وعنده أصحابه في ذلك اليوم ستة
وأربعون ألفا من الملائكة وستة آلاف من الجن، والنقباء ثلاثمائة وثلاثة عشر نفسا.
قال المفضل: يا سيدي كيف تكون دار الفاسقين في ذلك الوقت ؟ قال: في لعنة الله وسخطه
تخربها الفتن وتتركها جماء فالويل لها ولمن بها كل الويل من الرايات الصفر، ورايات
المغرب، ومن يجلب الجزيرة ومن الرايات التي تسير إليها من كل قريب أو بعيد.
(1) ذكره ابن قتيبة في كتابه الامامة
والسياسة فراجع.
[15]
والله لينزلن بها من صنوف العذاب ما نزل
بسائر الامم المتمردة من أول الدهر إلى آخره، ولينزلن بها من العذاب ما لا عين رأت
ولا أذن سمعت بمثله ولا يكون طوفان أهلها إلا بالسيف، فالويل لمن اتخذ بها مسكنا
فان المقيم بها يبقى لشقائه، والخارج منها برحمة الله. والله ليبقى من أهلها في
الدنيا حتى يقال: إنها هي الدنيا، وإن دورها وقصورها هي الجنة، وإن بناتهاهن الحور
العين، وإن ولدانها هم الولدان وليظنن أن الله لم يقسم رزق العباد إلا بها، وليظهرن
فيها من الامراء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، والحكم بغير كتابه، ومن
شهادات الزور، وشرب الخمور و [إتيان] الفجور، وأكل السحت وسفك الدماء ما لا يكون في
الدنيا كلها إلا دونه، ثم ليخربها الله بتلك الفتن وتلك الرايات، حتى ليمر عليها
المار فيقول: ههنا كانت الزوراء. ثم يخرج الحسني الفتى الصبيح الذي نحو الديلم !
يصيح بصوت له فصيح يا آل أحمد أجيبوا الملهوف، والمنادي من حول الضريح فتجيبه كنوز
الله بالطالقان كنوز وأي كنوز، ليست من فضة ولا ذهب، بل هي رجال كزبر الحديد، على
البراذين الشهب، بأيديهم الحراب، ولم يزل يقتل الظلمة حتى يرد الكوفة وقد صفا أكثر
الأرض، فيجعلها له معقلا. فيتصل به وبأصحابه خبر المهدي عليه السلام، ويقولون: يا
ابن رسول الله من هذا الذي قد نزل بساحتنا، فيقول: اخرجوا بنا إليه حتى ننظر من هو
؟ وما يريد ؟ وهو والله يعلم أنه المهدي، وأنه ليعرفه، ولم يرد بذلك الأمر إلا
ليعرف أصحابه من هو ؟ فيخرج الحسني فيقول: إن كنت مهدي آل محمد فأين هراوة جدك رسول
الله صلى الله عليه وآله وخاتمه، وبردته، ودرعه الفاضل، وعمامته السحاب، وفرسه
اليربوع وناقته العضباء، وبغلته الدلدل، وحماره اليعفور، ونجيبه البراق، ومصحف أمير
المؤمنين عليه السلام ؟ فيخرج له ذلك ثم يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصلد
[16]
وتورق، ولم يرد ذلك إلا أن يري أصحابه فضل
المهدي عليه السلام حتى يبايعوه. فيقول الحسني: الله أكبر مد يدك يا ابن رسول الله
حتى نبايعك فيمد يده فيبايعه ويبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلا أربعين ألفا
أصحاب المصاحف المعروفون بالزيدية، فانهم يقولون: ما هذا إلا سحر عظيم. فيختلط
العسكران فيقبل المهدي عليه السلام على الطائفة المنحرفة، فيعظهم ويدعوهم ثلاثة
ايام، فلا يزدادون إلا طغيانا وكفرا، فيأمر بقتلهم فيقتلون جميعا ثم يقول لأصحابه:
لا تأخذوا المصاحف، ودعوها تكون عليهم حسرة كما بدلوها وغيروها وحرفوها ولم يعملوا
بما فيها. قال المفضل: يا مولاي ثم ماذا يصنع المهدي ؟ قال: يثور سرايا (1) على
السفياني إلى دمشق، فيأخذونه ويذبحونه على الصخرة. ثم يظهر الحسين عليه السلام في
اثني عشر ألف صديق واثنين وسبعين رجلا أصحابه يوم كربلا، فيالك عندها من كرة زهراء
بيضاء. ثم يخرج الصديق الأكبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وينصب له
القبة بالنجف، ويقام أركانها: ركن بالنجف، وركن بهجر، وركن بصنعا، وركن بأرض طيبة،
لكأني أنظر إلى مصابيحه تشرق في السماء والأرض، كأضواء من الشمس والقمر، فعندها
تبلى السرائر، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت (2) إلى آخر الآية. ثم يخرج السيد الأكبر
محمد رسول الله صلى الله عليه وآله في أنصاره والمهاجرين، ومن آمن به وصدقه واستشهد
معه، ويحضر مكذبوه والشاكون فيه والرادون عليه والقائلون فيه أنه ساحر وكاهن
ومجنون، وناطق عن الهوى، ومن حاربه وقاتله حتى يقتص منهم بالحق، ويجازون بأفعالهم
منذ وقت ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى
(1) في الاصل المطبوع: " يثور سرابا "
فتحرر. (2) وبعده: وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب
الله شديد، الحج: 2.
[17]
ظهور المهدي مع إمام إمام، ووقت وقت، ويحق
تأويل هذه الآية " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم
الوارثين ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون "
(1). قال المفضل: يا سيدي ومن فرعون وهامان ؟ قال: أبو بكر وعمر. قال المفضل: قلت:
يا سيدي ورسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما يكونان معه ؟ فقال: لابد أن
يطآ الأرض إي والله حتى ما وراء الخاف، إي والله وما في الظلمات، وما في قعر
البحار، حتى لا يبقى موضع قدم إلا وطئا وأقاما فيه الدين الواجب لله تعالى. ثم
لكأني أنظر - يا مفضل - إلينا معاشر الأئمة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله
نشكوا إليه ما نزل بنا من الامة بعده، وما نالنا من التكذيب والرد علينا وسبينا
ولعننا وتخويفنا بالقتل، وقصد طواغيتهم الولاة لامورهم من دون الامة بترحيلنا عن
الحرمة إلى دار ملكهم، وقتلهم إيانا بالسم والحبس، فيبكي رسول الله صلى الله عليه
وآله ويقول: يا بني ما نزل بكم إلا ما نزل بجدكم قبلكم. ثم تبتدئ فاطمة عليها
السلام وتشكو ما نالها من أبي بكر وعمر، وأخذ فدك منها ومشيها إليه في مجمع من
المهاجرين والأنصار، وخطابها له في أمر فدك، وما رد عليها من قوله: إن الأنبياء لا
تورث، واحتجاجها بقول زكريا ويحيى عليهما السلام وقصة داود وسليمان عليهما السلام.
وقول عمر: هاتي صحيفتك التي ذكرت أن أباك كتبها لك وإخراجها الصحيفة وأخذه إياها
منها، ونشره لها على رؤس الأشهاد من قريش والمهاجرين والأنصار وسائر العرب وتفله
فيها، وتمزيقه إياها وبكائها، ورجوعها إلى قبر أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله
باكية حزينة تمشي على الرمضاء قد أقلقتها، واستغاثتها بالله وبأبيها رسول الله صلى
الله عليه وآله وتمثلها بقول رقيقة بنت صيفي (2):
(1) القصص: 5 و 6. (2) في الاصل المطبوع:
" رقية " والصحيح ما في الصلب عنونها الجزرى في =
[18]
قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها
لم يكبر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل أهلك فاشهدهم فقد لعبوا أبدت
رجال لنا فحوى صدورهم * لما نأيت وحالت دونك الحجب لكل قوم لهم قرب ومنزلة * عند
الاله على الأدنين مقترب يا ليت قبلك كان الموت حل بنا * أملوا اناس ففازوا بالذي
طلبوا وتقص عليه قصة أبي بكر وإنفاذه خالد بن الوليد وقنفذا وعمر بن الخطاب وجمعه
الناس لإخراج أمير المؤمنين عليه السلام من بيته إلى البيعة في سقيفة بني ساعدة
واشتغال أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفات رسول الله صلى الله عليه وآله بضم
أزواجه وقبره وتعزيتهم وجمع القرآن وقضاء دينه، وإنجاز عداته، وهي ثمانون ألف درهم،
باع فيها تليده وطارفه وقضاها عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وقول عمر: اخرج يا
علي إلى ما أجمع عليه المسلمون وإلا قتلناك، وقول فضة جارية فاطمة: إن أمير
المؤمنين عليه السلام مشغول والحق له إن أنصفتم من أنفسكم وأنصفتموه، وجمعهم الجزل
والحطب على الباب لاحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم
وفضة، وإضرامهم النار على الباب، وخروج فاطمة إليهم وخطابها لهم من وراء الباب.
وقولها: ويحك يا عمر ما هذه الجرأة على الله وعلى رسوله ؟ تريد أن تقطع نسله من
الدنيا وتفنيه وتطفئ نور الله ؟ والله متم نوره، وانتهاره لها. وقوله: كفي يا فاطمة
فليس محمد حاضرا ولا الملائكة آتية بالأمر والنهي والزجر من عند الله، وما علي إلا
كأحد المسلمين فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعا.
= اسد الغابة ج 5 ص 454 وقال بنت صيفي بن
هاشم بن عبد مناف، وعنونها في الاصابة ج 4 ص 296 وقال " رقيقة ": بقافين مصغرة بنت
أبي صيفي بن هاشم بن عبد المطلب. ولكن نسب الاشعار أبو بكر أحمد بن عبد العزيز
الجوهري في كتابه السقيفة باسناده عن عمر بن شبة - إلى هند ابنة أثاثة راجع كشف
الغمة ج 2 ص 49، وفيها اختلاف.
[19]
فقالت وهي باكية: اللهم إليك نشكو فقد
نبيك ورسولك وصفيك، وارتداد أمته علينا، ومنعهم إيانا حقنا الذي جعلته لنا في كتابك
المنزل على نبيك المرسل. فقال لها عمر: دعي عنك يا فاطمة حمقات النساء، فلم يكن
الله ليجمع لكم النبوة والخلافة، وأخذت النار في خشب الباب. وإدخال قنفذ يده لعنه
الله يروم فتح الباب، وضرب عمر لها بالسوط على عضدها، حتى صار كالدملج الأسود، وركل
الباب برجله، حتى أصاب بطنها و هي حاملة بالمحسن، لستة أشهر وإسقاطها إياه. وهجوم
عمر وقنفذ وخالد بن الوليد وصفقه خدها حتى بدا قرطاها تحت خمارها، وهي تجهر
بالبكاء، وتقول: واأبتاه، وارسول الله، ابنتك فاطمة تكذب وتضرب، ويقتل جنين في
بطنها. وخروج أمير المؤمنين عليه السلام من داخل الدار محمر العين حاسرا، حتى ألقى
ملاءته عليها، وضمها إلى صدره وقوله لها: يا بنت رسول الله قد علمتي أن أباك بعثه
الله رحمة للعالمين، فالله الله أن تكشفي خمارك، وترفعي ناصيتك، فوالله يا فاطمة
لئن فعلت ذلك لا أبقى الله على الأرض من يشهد أن محمدا رسول الله ولا موسى ولا عيسى
ولا إبراهيم ولا نوح ولا آدم، [ولا] دابة تمشي على الأرض ولا طائرا في السماء إلا
أهلكه الله. ثم قال: يا ابن الخطاب لك الويل من يومك هذا وما بعده وما يليه اخرج
قبل أن اشهر سيفي فافني غابر الامة. فخرج عمر وخالد بن الوليد وقنفذ وعبد الرحمن بن
أبي بكر فصاروا من خارج الدار، وصاح أمير المؤمنين بفضة يا فضة مولاتك فاقبلي منها
ما تقبله النساء فقد جاءها المخاض من الرفسة ورد الباب، فأسقطت محسنا فقال أمير
المؤمنين عليه السلام: فانه لاحق بجده رسول الله صلى الله عليه وآله فيشكو إليه.
وحمل أمير المؤمنين لها في سواد الليل والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم إلى دور
المهاجرين والأنصار، يذكرهم بالله ورسوله، وعهده الذي بايعوا الله
[20]
ورسوله، وبايعوه عليه في أربعة مواطن في
حياة رسول الله صلى الله عليه وآله (1) وتسليمهم عليه بامرة المؤمنين في جميعها،
فكل يعده بالنصر في يومه المقبل، فإذا أصبح قعد جميعهم عنه ثم يشكو إليه أمير
المؤمنين عليه السلام المحن العظيمة التي امتحن بها بعده. وقوله لقد كانت قصتي مثل
قصة هارون مع بني إسرائيل وقولي كقوله لموسى " يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا
يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين " (2) فصبرت محتسبا
وسلمت راضيا وكانت الحجة عليهم في خلافي، ونقضهم عهدي الذي عاهدتهم عليه يا رسول
الله. واحتملت يا رسول الله ما لم يحتمل وصي نبي من سائر الأوصياء من سائر الامم
حتى قتلوني بضربة عبد الرحمن بن ملجم، وكان الله الرقيب عليهم في نقضهم بيعتي.
وخروج طلحة والزبير بعائشة إلى مكة يظهران الحج والعمرة وسيرهم بها إلى البصرة،
وخروجي إليهم وتدكيري لهم الله وإياك، وما جئت به يا رسول الله، فلم يرجعا حتى
نصرني الله عليهما حتى أهرقت دماء عشرين ألف من المسلمين وقطعت سبعون كفا على زمام
الجمل، فما لقيت في غزواتك يا رسول الله وبعدك أصعب يوما منه أبدا، لقد كان من أصعب
الحروب التي لقيتها، وأهولها وأعظمها فصبرت كما أدبني الله بما أدبك به يا رسول
الله في قوله عزوجل " فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل " (3) وقوله " واصبر وما
صبرك إلا بالله " (4) وحق والله يا رسول الله تأويل الآية التي أنزلها الله في
الامة من بعدك في قوله " وما محمد
(1) أخرج المصنف رضوان الله عليه أحاديث
كثيرة في ذلك في أحوال مولانا أمير المؤمنين تراها في ج 37 ص 290 - 340 من الطبعة
الحديثة، وليس فيها ما يذكر أنهم بايعوه عليه السلام على امرة المؤمنين. بل كانوا
يسلمون عليه بامرة المؤمنين، نعم في أحاديث الغدير ما يذكر أنهم بايعوه على ذلك
فراجع ج 37 ص 217. (2) الاعراف: 149. (3) الاحقاف: 35. (4) النحل: 127.
[21]
إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات
أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله
الشاكرين " (1). يا مفضل ويقوم الحسن عليه السلام إلى جده صلى الله عليه وآله
فيقول: يا جداه كنت مع أمير المؤمنين في دار هجرته بالكوفة حتى استشهد بضربة عبد
الرحمان ابن ملجم لعنه الله فوصاني بما وصيته يا جداه، وبلغ اللعين معاوية قتل أبي
فأنفذ الدعي اللعين زيادا إلى الكوفة في مائة ألف وخمسين ألف مقاتل (2) فأمر بالقبض
علي وعلى أخي الحسين وسائر إخواني وأهل بيتي، وشيعتنا وموالينا وأن يأخذ علينا
البيعة لمعاوية لعنه الله، فمن يأبى منا ضرب عنقه وسير إلى معاوية رأسه. فلما علمت
ذلك من فعل معاوية، خرجت من داري، فدخلت جامع الكوفة للصلاة، ورقأت المنبر واجتمع
الناس، فحمدت الله وأثنيت عليه، وقلت: معشر الناس عفت الديار، ومحيت الآثار، وقل
الاصطبار، فلاقرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين، الساعة والله صحت البراهين،
وفصلت الآيات، وبانت المشكلات، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية تأويلها قال الله
عزوجل " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " (3) فلقد
مات والله
(1) آل عمران: 144. (2) هو زياد بن عبيد
الثقفي الذي استلحقه معاوية وجعله أخا له من أبي سفيان، وقد كان حين قتل علي عليه
السلام عاملا له على بلاد فارس وكرمان، يبغض معاوية ويشنأه. فأطمعه معاوية وكاتبه
وراسله بعد أن صالح مع الحسن السبط عليه السلام فخرج زياد من معقله بفارس بعد ما
استوثق من معوية لنفسه، فجاءه في دمشق وسلم عليه بامرة المؤمنين. فكما ترى أراد
كاتب هذا الحديث أن يعلل صلح الحسن السبط مع معوية بأنه عليه السلام كان مهضوما
وحيدا لا يستطيع أن يبارزه، لكنه جاء بترهات من مخائله تخالف التاريخ الواضح
المشهور من رأس. (3) آل عمران: 144.
[22]
جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وقتل
أبي عليه السلام وصاح الوسواس الخناس في قلوب الناس ونعق ناعق الفتنة، وخالفتم
السنة، فيالها من فتنة صماء عمياء، لا يسمع لداعيها ولا يجاب مناديها، ولا يخالف
واليها، ظهرت كلمة النفاق، وسيرت رايات أهل الشقاق، وتكالبت جيوش أهل المراق، من
الشام والعراق، هلموا رحمكم الله إلى الافتتاح، والنور الوضاح، والعلم الجحجاج،
والنور الذي لا يطفى، والحق الذي لا يخفى. أيها الناس تيقظوا من رقدة الغفلة، ومن
تكاثف الظلمة (1) فوالذي فلق الحبة، وبرء النسمة، وتردى بالعظمة، لئن قام إلي منكم
عصبة بقلوب صافية ونيات مخلصة، لا يكون فيها شوب نفاق، ولا نية افتراق، لاجاهدن
بالسيف قدما قدما، ولأضيقن من السيوف جوانبها (2) ومن الرماح أطرافها، ومن الخيل
سنابكها، فتكلموا رحمكم الله. فكأنما الجموا بلجام الصمت عن إجابة الدعوة، إلا
عشرون رجلا فانهم قاموا إلي فقالوا: يا ابن رسول الله ما نملك إلا أنفسنا وسيوفنا،
فها نحن بين يديك لأمرك طائعون، وعن رأيك صادرون، فمرنا بما شئت ! فنظرت يمنة ويسرة
فلم أر أحدا غيرهم. فقلت: لي اسوة بجدي رسول الله حين عبد الله سرا، وهو يومئذ في
تسعة وثلاثين رجلا فلما أكمل الله له الأربعين صار في عدة وأظهر أمر الله، فلو كان
معي عدتهم جاهدت في الله حق جهاده. ثم رفعت رأسي نحو السماء فقلت: اللهم إني قد
دعوت وأنذرت، وأمرت ونهيت، وكانوا عن إجابة الداعي غافلين، وعن نصرته قاعدين، وعن
طاعته مقصرين ولأعدائه ناصرين، اللهم فأنزل عليهم رجزك، وبأسك وعذابك، الذي لا يرد
عن القوم الظالمين ونزلت.
(1) في الاصل المطبوع " ومن تكانيف الظلمة
" فتحرر. (2) كأن الضمير يرجع إلى دمشق الشام.
[23]
ثم خرجت من الكوفة راحلا إلى المدينة،
فجاؤني يقولون: إن معاوية أسرى سراياه إلى الأنبار والكوفة، وشن غاراته على
المسلمين، وقتل من لم يقاتله وقتل النساء والأطفال، فأعلمتهم أنه لا وفاء لهم،
فأنفذت معهم رجالا وجيوشا وعرفتهم أنهم يستجيبون لمعاوية، وينقضون عهدي وبيعتي، فلم
يكن إلا ما قلت لهم، وأخبرتهم. ثم يقوم الحسين عليه السلام مخضبا بدمه هو وجميع من
قتل معه، فإذا رآه رسول الله صلى الله عليه وآله بكى وبكى أهل السماوات والأرض
لبكائه، وتصرخ فاطمة عليها السلام فتزلزل الأرض ومن عليها، ويقف أمير المؤمنين
والحسن عليهما السلام عن يمينه، وفاطمة عن شماله، ويقبل الحسين عليه السلام فيضمه
رسول الله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صدره، ويقول: يا حسين ! فديتك قرت
عيناك وعيناي فيك، وعن يمين الحسين حمزة أسد الله في أرضه، وعن شماله جعفر بن أبي
طالب الطيار، ويأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين
عليه السلام وهن صارخات وأمه فاطمة تقول " هذا يومكم الذي كنتم توعدون " (1) اليوم
" تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا
بعيدا " (2). قال: فبكى الصادق عليه السلام حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال: لاقرت
عين لا تبكي عند هذا الذكر، قال: وبكى المفضل بكاء طويلا ثم قال: يا مولاي ما في
الدموع يا مولاي ؟ فقال: ما لا يحصى إذا كان من محق. ثم قال المفضل: يا مولاي ما
تقول في قوله تعالى " وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت " (3) قال: يا مفضل
والموؤدة والله محسن، لأنه منا لا غير، فمن قال غير هذا فكذبوه. قال المفضل: يا
مولاي ثم ماذا ؟ قال الصادق عليه السلام: تقوم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
وآله فيقول: اللهم أنجز وعدك وموعدك لي فيمن ظلمني وغصبني، وضربني و
(1) الانبياء: 103. (2) آل عمران: 30. (3)
التكوير: 8.
[24]
جزعني بكل أولادي، فتبكيها ملائكة
السماوات السبع وحملة العرش، وسكان الهواء، ومن في الدنيا، ومن تحت أطباق الثرى،
صائحين صارخين إلى الله تعالى، فلا يبقى أحد ممن قاتلنا وظلمنا ورضي بما جرى علينا
إلا قتل في ذلك اليوم ألف قتلة (1) دون من قتل في سبيل الله، فانه لا يذوق الموت
وهو كما قال الله عزوجل " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند
ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من
خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (2). قال المفضل: يا مولاي إن من شيعتكم من لا
يقول برجعتكم ؟ فقال عليه السلام: إنما سمعوا قول جدنا رسول الله صلى الله عليه
وآله ونحن سائر الأئمة نقول: " ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر " (3)
قال الصادق عليه السلام: العذاب الأدنى عذاب الرجعة، والعذاب الأكبر عذاب يوم
القيامة " الذي تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار " (4). قال
المفضل: يا مولاي نحن نعلم أنكم اختيار الله في قوله تعالى: " نرفع درجات من نشاء "
(5) وقوله: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته " (6) وقوله: " إن
(1) توهم الكاتب أن القتل ألف قتلة أشد
عليهم من نار الجحيم - أعاذنا الله منه - والله تعالى يقول: " لا يقضى عليهم
فيموتوا " ويحكى عنهم أنهم يقولون: " يا مالك ليقض علينا ربك ". هذا مع ما ورد أنه
لا سبيل بعد الحشر إلى الممات. ثم العجب استثناؤه من هؤلاء الظلمة، الذين استشهدوا
في سبيل الله لقوله تعالى " بل أحياء " والحال أنه تعالى يقول " لا يفلح الظالمون
". (2) آل عمران: 169 و 170. (3) السجدة: 21. ومراد الكاتب أن ضمير الجمع في قوله
تعالى: " لنذيقنهم " يراد به رسول الله والائمة عليهم السلام. (4) ابراهيم: 48. (5)
الانعام: 83، يوسف: 76. (6) الانعام: 124.
[25]
الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل
عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " (1). قال الصادق عليه
السلام: يا مفضل فأين نحن في هذه الآية ؟ قال المفضل: فوالله " إن أولى الناس
بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " (2) وقوله: "
ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين " (3) وقوله: عن إبراهيم " واجنبني وبني أن
نعبد الأصنام " (4) وقد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه
السلام ما عبدا صنما ولا وثنا ولا أشركا بالله طرفة عين. وقوله: " وإذا ابتلى
إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال
عهدي الظالمين " (5) والعهد عهد الإمامة لا يناله ظالم. قال: يا مفضل وما علمك بأن
الظالم لا ينال عهد الإمامة ؟ قال المفضل: يا مولاي لا تمتحني بما لا طاقة لي به،
ولا تختبرني ولا تبتلني، فمن علمكم علمت ومن فضل الله عليكم أخذت. قال الصادق عليه
السلام: صدقت يا مفضل ولولا اعترافك بنعمة الله عليك في ذلك لما كنت هكذا فأين يا
مفضل الآيات من القرآن في أن الكافر ظالم ؟ قال: نعم يا مولاي قوله تعالى: "
والكافرون هم الظالمون (6) " والكافرون هم الفاسقون " ومن كفر وفسق وظلم لا يجعله
الله للناس إماما. قال الصادق عليه السلام: أحسنت يا مفضل فمن أين قلت برجعتنا ؟
ومقصرة
(1) آل عمران: 33. (2) آل عمران: 68. (3)
الحج: 78. (4) ابراهيم: 35. (5) البقرة: 124. (6) البقرة: 254، وما بعده آية متوهمة
لا توجد في القرآن كيف والفاسق هو الذي دخل في جماعة المسلمين، لكنه فسق وخرج عن
حكم الله، والكافر لم يدخل في حكم الله بعد، ولذلك يقول الله عزوجل: " ان المنافقين
هم الفاسقون " براءة: 68. ويقول: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الفاسقون "
المائدة: 47 وغير ذلك.
[26]
شيعتنا تقول: معنى الرجعة أن يرد الله
إلينا ملك الدنيا وأن يجعله للمهدي. ويحهم متى سلبنا الملك حتى يرد علينا. قال
المفضل: لا والله وما سلبتموه ولا تسلبونه لأنه ملك النبوة والرسالة والوصية
والامامة. قال الصادق عليه السلام: يا مفضل لو تدبر القرآن شيعتنا لما شكوا في
فضلنا أما سمعوا قوله عزوجل " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم
أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما
كانوا يحذرون " (1). والله يا مفضل إن تنزيل هذه الآية في بني إسرائيل وتأويلها
فينا وإن فرعون وهامان تيم وعدي. قال المفضل: يا مولاي فالمتعة ؟ قال: المتعة حلال
طلق والشاهد بها قول الله عزوجل " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو
أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن، ولكن لا تواعدوهن سرا، إلا أن تقولوا
قولا معروفا " (2) أي مشهودا والقول المعروف هو المشتهر بالولي والشهود، وإنما
احتيج إلى الولي والشهود في النكاح، ليثبت النسل ويصح النسب ويستحق الميراث، وقوله
" وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " (3)
وجعل الطلاق في النساء المزوجات غير جائز إلا بشاهدين ذوي عدل من المسلمين وقال في
سائر الشهادات على الدماء والفروج والأموال والأملاك: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم
فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " (4). وبين الطلاق عز ذكره
فقال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله
ربكم " (5) ولو كانت المطلقة تبين بثلاث تطليقات
(1) القصص: 5 و 6. (2) البقرة: 235. (3)
النساء: 4. (4) البقرة: 228. (5) الطلاق: 21.
[27]
تجمعها كلمة واحدة أو أكثر منها أو أقل
لما قال الله تعالى " وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم " إلى قوله: " تلك حدود الله
ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا * فإذا بلغن
أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم، وأقيموا الشهادة
لله، ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر " وقوله: " لا تدري لعل الله
يحدث بعد ذلك أمرا " هو نكر يقع بين الزوج وزوجته، فيطلق التطليقة الاولى بشهادة
ذوي عدل. وحد وقت التطليق هو آخر القروء، والقرء هو الحيض، والطلاق يجب عند آخر
نقطة بيضاء تنزل بعد الصفرة والحمرة، وإلى التطليقة الثانية والثالثة ما يحدث الله
بينهما، عطفا أو زوال ما كرهاه، وهو قوله: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء،
ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر
وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال
عليهن درجة والله عزيز حكيم " (1) هذا لقوله في أن للبعولة مراجعة النساء من تطليقة
إلى تطليقة، إن أرادوا إصلاحا وللنساء مراجعة الرجال في مثل ذلك. ثم بين تبارك
وتعالى فقال: " الطلاق مرتان: فإمساك بمعروف أو تسريح باحسان ". وفي الثالثة، فان
طلق الثالثة بانت فهو قوله: " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره "
(2) ثم يكون كسائر الخطاب لها. والمتعة التي أحلها الله في كتابه وأطلقها الرسول عن
الله لسائر المسلمين فهي قوله عزوجل: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم
كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين، فما
استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد
الفريضة إن الله كان عليما حكيما " (3) والفرق بين المزوجة والمتعة أن للزوجة
(1) البقرة: 228 و 229. (2) البقرة: 230.
(3) النساء: 23.
[28]
صداقا وللمتعة اجرة. فتمتع سائر المسلمين
(1) على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله في الحج وغيره، وأيام أبي بكر، وأربع
سنين في أيام عمر، حتى دخل على أخته عفرا فوجد في حجرها طفلا يرضع من ثديها فنظر
إلى درة اللبن في فم الطفل فأغضب وأرعد واربد وأخذ الطفل على يده، وخرج حتى أتى
المسجد، ورقا المنبر وقال: نادوا في الناس إن الصلاة جامعة، وكان غير وقت صلاة يعلم
الناس أنه لأمر يريده عمر فحضروا فقال: معاشر الناس من المهاجرين والأنصار وأولاد
قحطان من منكم يحب أن يرى المحرمات عليه من النساء، ولها مثل هذا الطفل ؟ قد خرج من
أحشائها وهو يرضع على ثديها وهي غير متبعلة ؟ فقال بعض القوم: ما نحب هذا ؟ فقال:
ألستم تعلمون أن أختي عفرا (2) بنت خيثمة أمي وأبي الخطاب غير متبعلة ؟ قالوا: بلى
قال: فاني دخلت عليها في هذه الساعة، فوجدت هذا الطفل في حجرها فناشدتها أنى لك هذا
؟ فقالت: تمتعت. فأعلموا سائر الناس ! أن هذه المتعة التي كانت حلالا للمسلمين في
عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قد رأيت تحريمها، فمن أبي ضربت جنبيه بالسوط (3)
فلم يكن
(1) السائر بمعنى الباقي، وقولهم سائر
الناس همج: أي باقى الناس باتفاق أهل اللغة كما في اللسان. وقد يستعمل في كلام
المولدين بمعنى الجميع - كما في هذا الكلام - نعم، قال الجوهري في الصحاح: وسائر
الناس: جميعهم. (2) لم يعنونها أصحاب الرجال وانما عنونوا صفية بنت الخطاب كانت
زوجة قدامة ابن مظعون، وأظن القصة مجعولة مختلقة، فان عمر بن الخطاب كان يتعصب لسنن
الجاهلية ولذلك أنكر على رسول الله صلى الله عليه وآله متعة الحج ولم يحل عن احرامه
في حجة الوداع مع أنه لم يسق الهدى، وقال " أننطلق وذكر أحدنا تقطر " فالظاهر أنه
كان يجد انكار متعة النساء في نفسه من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله. لا أنه
دخل على عفراء الخ. (3) بل كان أوعد على المتعة بالرجم، ففى صحيح مسلم ج 1 ص 467 عن
أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت
ذلك لجابر =
[29]
في القوم منكر قوله، ولا راد عليه، ولا
قائل لا يأتي رسول بعد رسول الله أو كتاب بعد كتاب الله، لا نقبل خلافك على الله
وعلى رسوله وكتابه. بل سلموا ورضوا. قال المفضل: يا مولاي فما شرائط المتعة ؟ قال:
يا مفضل لها سبعون شرطا
= ابن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث
تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما قام عمر - أي بأمر الخلافة - قال: ان
الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وان القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج
والعمرة كما أمركم الله وأبقوا ؟ ؟ نكاح هذه النساء، فلن اوتى برجل نكح امرأة إلى
أجل الا رجمته بالحجارة. وفي سنن البيهقي ج 7 ص 206 عن أبي نضرة مثل هذا الحديث
ولفظه: قال: قلت: ان ابن الزبير ينهى عن المتعة ! وان ابن عباس يأمر بها ؟ ! فقال:
- يعني جابر - على يدى جرى الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ومع أبي
بكر، فلما ولى عمر خطب الناس فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الرسول،
وان القرآن هذا القرآن، وانهما كانتا متعتان على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما
وأعاقب عليهما: أحدهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل، الا غيبته
بالحجارة. وكيف كان فقد استفاض عنه قوله " متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا
أحرمهما وأعاقب عليهما " كما تجده في أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 342، الحيوان
للجاحظ ج 4 ص 278، البيان والتبيين له ج 2 ص 282، شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص
182 (الخطبة الشقشقية) وهكذا ج 12 ص 251 (الخطبة 223) وفيات الاعيان للقاضي أحمد
ابن خلكان ج 2 ص 359 (ط - ايران - ترجمة يحيى بن اكثم) ونقله ارباب التفاسير عند
قوله تعالى " فما استمتعتم به منهن " منهم الفخر الرازي في ج 10 ص 50 من تفسيره
الكبير والطبرسي في مجمع البيان ج 3 ص 33. وفي رواية اخرى وأرسلها القوشچى في أواخر
مباحث الامامة من كتابه شرح التجريد ص 408 (ط - ايران 1301) -: أيها الناس ثلاث كن
على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن وأحرمهن، وأعاقب عليهن: متعة الحج، ومتعة النساء،
وحي على خير العمل. وان شئت فراجع الدر المنثور ج 2 ص 139 - 141، ترى فيها روايات
كثيرة في ذلك.
[30]
من خالف فيها شرطا واحدا ظلم نفسه، قال:
قلت: يا سيدي قد أمرتمونا أن لا نتمتع ببغية ولا مشهورة بفساد ولا مجنونة وأن ندعو
المتعة إلى الفاحشة، فان أجابت فقد حرم الاستمتاع بها، وأن نسأل أفارغة أم مشغولة
ببعل أو حمل أو بعدة ؟ فان شغلت بواحدة من الثلاث فلا تحل، وإن خلت فيقول لها:
متعيني نفسك على كتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله نكاحا غير سفاح أجلا
معلوما باجرة معلومة وهي ساعة أو يوم أو يومان أو شهر أو سنة أو ما دون ذلك أو
أكثر، والاجرة ما تراضيا عليه من حلقة خاتم أو شسع نعل أو شق تمرة إلى فوق ذلك من
الدراهم والدنانير أو عرض ترضى به، فان وهبت له حل له كالصداق الموهوب من النساء
المزوجات الذين قال الله تعالى فيهن: " فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا
مريئا " (1). ثم يقول لها: على ألا ترثيني ولا أرثك، وعلى أن الماء لي أضعه منك حيث
أشاء، وعليك الاستبراء خمسة وأربعين يوما أو محيضا واحدا، فإذا قالت: نعم أعدت
القول ثانية وعقدت النكاح، فان أحببت وأحبت هي الاستزادة في الأجل زدتما، وفيه ما
رويناه (2) فان كانت تفعل فعليها ما تولت من الإخبار عن نفسها ولا
(1) النساء: 4. (2) يجوز الاستزادة في
المدة لكنه بعد انقضاء المدة أو بذلها بعقد جديد وليس عليها عدة منه ففي الكافي ج 5
ص 458 عن أبان بن تغلب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الرجل يتزوج
المرأة متعة فيتزوجها على شهر ثم انها تقع في قلبه فيجب أن يكون شرطه أكثر من شهر،
فهل يجوز أن يزيدها في أجرها ويزداد في الايام قبل أن تنقضي أيامه التي شرط عليها ؟
فقال: لا، لا يجوز شرطان في شرط - يعني أجلان في عقد - قلت: فكيف يصنع ؟ قال: يتصدق
عليها بما بقى من الايام ثم يستأنف شرطا جديدا. نعم نقل العلامة في المختلف جواز
الزيادة في الاجل والمهر قبل انقضاء المدة أيضا فراجع. واعلم أن ما ذكره الكاتب في
هذا الفصل مروى بروايات أهل البيت عليهم السلام، تراها منبثة في كتاب النكاح أبواب
المتعة من الوسائل.
[31]
جناح عليك (1). وقول أمير المؤمنين عليه
السلام: " لعن الله ابن الخطاب فلولاه ما زنى إلا شقي أو شقية (2) لأنه كان يكون
للمسلمين غناء في المتعة عن الزنا ثم تلا " ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة
الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد
فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " (3).
(1) يعني أنها ان كانت تفعل الزنا، لكنها
قالت لك عندما سألت عنها: " لا أفعل " يكون الاثم عليها لا عليك، فان اخبار النساء
عن نفسها محكمة، وانها مصدقة على نفسها. (2) كذا في الاصل المطبوع، ولعل الصحيح: "
الاشقى وشقية " فان الزنى لا يكون الا بين نفسين: شقى وشقية، لا أحدهما. وأما لفظ
الحديث قال علي عليه السلام: " لولا أن عمر بن الخطاب نهى عن المتعة ما زنى الاشقى
" تراه في الكافي ج 5 ص 448، تفسير الطبري ج 5 ص 13، وتفسير الرازي ج 10 ص 50، الدر
المنثور ج 2 ص 140، مجمع البيان ج 3 ص 32، أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 179 شرح النهج
ج 12 ص 253 نقلا عن السيد المرتضى. وقد يروى الحديث " الاشفى " بالفاء، قال الجزرى
في النهاية في حديث ابن عباس: ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها امة محمد، لولا
نهيه - يعني ابن الخطاب - عنها ما احتاج إلى الزنا الاشفى، أي قليلا من الناس من
قولهم " غابت الشمس الاشفى " اي الا قليلا من ضوئها عند غروبها. أقول: هذا غير
صحيح، بل هو تصحيف قطعا، فان قوله " ما زنى " يحتاج إلى الفاعل وليس يصلح للفاعلية
الا ما يدل عليه لفظ الشقى. فتقدير الكلام " ما زنى أحد أو ما احتاج إلى الزنا احد
الا شقي " فاستثنى الرجل الشقي من عموم قوله " أحد "، والقياس بقولهم " غابت الشمس
الا شفي " غير صحيح فان فاعل " غابت " هو " الشمس " المذكور، فيكون الاستثناء من
الغيبوبة، صحيحا لا غبار عليه، وفيما نحن فيه ليس كذلك فانه يصير المعنى " ما زنى
أحد الا قليلا " فيثبت الزنى لكل أحد لكن لا بالكثير، بل في بعض الاوقات، وهو خلاف
المراد قطعا. (3) البقرة: 204 و 205.
[32]
ثم قال: إن من عزل بنطفته عن زوجته فدية
النطفة عشرة دنانير كفارة (1) وإن من شرط المتعة أن ماء الرجل يضعه حيث يشاء من
المتمتع بها، فإذا وضعه في الرحم فخلق منه ولد كان لاحقا بأبيه. ثم يقوم جدي علي بن
الحسين وأبي الباقر عليهما السلام فيشكوان إلى جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله
ما فعل بهما ثم أقوم أنا فأشكو إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ما فعل
المنصور بي، ثم يقوم ابني موسى فيشكو إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما فعل
به الرشيد، ثم يقوم علي بن موسى فيشكو إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما فعل
به المأمون، ثم يقوم محمد بن علي فيشكو إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما
فعل به المأمون ثم يقوم علي بن محمد فيشكو إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما
فعل به المتوكل، ثم يقوم الحسن بن علي فيشكو إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله
ما فعل به المعتز. ثم يقوم المهدي سمى جدى رسول الله، وعليه قميص رسول الله مضرجا
بدم رسول الله يوم شج جبينه، وكسرت رباعيته، والملائكة تحفه حتى يقف بين يدي جده
رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: يا جداه وصفتني ودللت علي، ونسبتني وسميتني
وكنيتني، فجحدتني الامة وتمردت وقالت ما ولد ولا كان، وأين هو ؟ ومتى كان وأين يكون
؟ وقد مات ولم يعقب، ولو كان صحيحا ما أخره الله تعالى إلى هذا الوقت المعلوم،
فصبرت محتسبا وقد أذن الله لي فيها باذنه يا جداه. فيقول رسول الله صلى الله عليه
وآله: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر
العاملين " (2) ويقول " جاء نصر الله والفتح " وحق
قال السيد الطباطبائي في عروة الوثقى (628
ط دار الكتب الاسلامية): والاقوى عدم وجوب دية النطفة عليه - اي من عزل نطفته - وان
قلنا بالحرمة، وقيل بوجوبها عليه للزوجة وهي عشرة دنانير للخبر الوارد فيمن افزع
رجلا عن عرسه فعزل عنها الماء، من وجوب نصف خمس المائة عشرة دنانير عليه، لكنه في
غير ما نحن فيه ولا وجه للقياس عليه مع أنه مع الفارق. (2) الزمر، 74. وبعده مأخوذ
من أول سورة النصر.
[33]
قول الله سبحانه وتعالى " هو الذي أرسل
رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (1) ويقرأ " إنا
فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك،
ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا " (2). فقال المفضل يا مولاي أي ذنب
كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال الصادق عليه السلام: يا مفضل إن رسول
الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم حملني ذنوب شيعة أخي وأولادي الأوصياء ما تقدم
منها وما تأخر إلى يوم القيامة، ولا تفضحني بين النبيين والمرسلين من شيعتنا فحمله
الله إياها وغفر جميعها (3) قال المفضل: فبكيت بكاء طويلا وقلت: يا سيدي هذا بفضل
الله علينا فيكم قال الصادق عليه السلام: يا مفضل ما هو إلا أنت وأمثالك بلى يا
مفضل لا تحدث بهذا الحديث أصحاب الرخص من شيعتنا فيتكلون على هذا الفضل، ويتركون
العمل فلا يغني عنهم من الله شيئا لأنا كما قال الله تبارك وتعالى فينا " لا يشفعون
إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " (4). قال المفضل: يا مولاي فقوله " ليظهره على
الدين كله " ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ظهر على الدين كله ؟ قال: يا مفضل
لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ظهر على الدين كله ما كانت مجوسية ولا يهودية
ولا صابئية ولا نصرانية، ولا فرقة ولا خلاف ولا شك
(1) براءة: 34، الصف: 9. (2) الفتح: 31.
(3) هذا من عقائد الغلاة، فانهم كانوا يعتقدون أن كل من والى الائمة عليهم السلام
جاز لهم ترك العبادة اتكالا على ذلك، وكان أصحابنا القدماء يمتحنون من رمى بالغلو
في أوقات الصلاة قال النجاشي ص 253 في محمد بن أورمة أبو جعفر القمى ذكره القميون
وغمزوا عليه ورموه بالغلو حتى دس عليه من يفتك به فوجدوه يصلى من أول الليل إلى
آخره فتوقفوا عنه. (4) الانبياء: 28.
[34]
ولا شرك، ولا عبدة أصنام، ولا أوثان، ولا
اللات والعزى، ولا عبدة الشمس والقمر، ولا النجوم، ولا النار ولا الحجارة، وإنما
قوله " ليظهره على الدين كله " في هذا اليوم وهذا المهدي وهذه الرجعة، وهو قوله "
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " (1). فقال المفضل: أشهد أنكم من
علم الله علمتم، وبسلطانه وبقدرته قدرتم وبحكمه نطقتم، وبأمره تعملون. ثم قال
الصادق عليه السلام: ثم يعود المهدي عليه السلام إلى الكوفة، وتمطر السماء بها
جرادا من ذهب، كما أمطره الله في بني إسرائيل على أيوب، ويقسم على أصحابه كنوز
الأرض من تبرها ولجينها وجوهرها. قال المفضل: يا مولاي من مات من شيعتكم وعليه دين
لاخوانه ولأضداده كيف يكون ؟ قال الصادق عليه السلام: أول ما يبتدئ المهدي عليه
السلام أن ينادي في جميع العالم: ألا من له عند أحد من شيعتنا دين فليذكره حتى يرد
الثومة والخردلة فضلا عن القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والأملاك فيوفيه إياه.
قال المفضل: يا مولاي ثم ماذا يكون ؟ قال: يأتي القائم عليه السلام بعد أن يطأ شرق
الأرض وغربها، الكوفة ومسجدها، ويهدم المسجد الذي بناه يزيد بن معاوية لعنه الله
لما قتل الحسين بن علي عليه السلام، و [هو] مسجد ليس لله ملعون ملعون من بناه. قال
المفضل: يا مولاي فكم تكون مدة ملكه عليه السلام ؟ فقال: قال الله عزوجل " فمنهم
شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت
السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة
خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ " (2) والمجذوذ
المقطوع أي عطاء غير مقطوع عنهم، بل هو دائم أبدا، وملك
(1) الانفال: 38. (2) هود: 105 - 108.
[35]
لا ينفد، وحكم لا ينقطع، وأمر لا يبطل إلا
باختيار الله ومشيته وإرادته، التي لا يعلمها إلا هو، ثم القيامة وما وصفه الله
عزوجل في كتابه. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد النبي وآله
الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا كثيرا. اقول: روى الشيخ حسن بن سليمان في كتاب
منتخب البصائر هذا الخبر هكذا: حدثني الأخ الرشيد محمد بن إبراهيم بن محسن الطار
آبادي أنه وجد بخط أبيه الرجل الصالح إبراهيم بن محسن هذا الحديث الآتي ذكره،
وأراني خطه وكتبته منه، وصورته: الحسين بن حمدان، وساق الحديث كما مر إلى قوله
لكأني أنظر إليهم على البراذين الشهب بأيديهم الحراب، يتعاوون شوقا إلى الحرب كما
تتعاوى الذئاب أميرهم رجل من بني تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيقبل الحسين عليه
السلام فيهم وجهه كدائرة القمر، يروع الناس جمالا فيبقى على أثر الظلمة فيأخذ سيفه
الصغير والكبير، والعظيم والوضيع. ثم يسير بتلك الرايات كلها حتى يرد الكوفة، وقد
جمع بها أكثر أهل الأرض يجعلها له معقلا، ثم يتصل به وبأصحابه خبر المهدي فيقولون
له: يا ابن رسول الله من هذا الذي نزل بساحتنا ؟ فيقول الحسين عليه السلام: اخرجوا
بنا إليه حتى تنظروا من هو وما يريد ؟ وهو يعلم والله أنه المهدي عليه السلام وإنه
ليعرفه، وإنه لم يرد بذلك الأمر إلا الله، فيخرج الحسين عليه السلام وبين يديه
أربعة آلاف رجل في أعناقهم المصاحف، وعليهم المسوح، مقلدين بسيوفهم، فيقبل الحسين
عليه السلام حتى ينزل بقرب المهدي عليه السلام فيقول: سائلوا عن هذا الرجل من هو
وماذا يريد ؟ فيخرج بعض اصحاب الحسين عليه السلام إلى عسكر المهدي عليه السلام
فيقول: أيها العسكر الجائل من أنتم حياكم الله ؟ ومن صاحبكم هذا ؟ وماذا يريد ؟
فيقول أصحاب المهدي عليه السلام: هذا مهدي آل محمد عليه وعليهم السلام، ونحن أنصاره
من الجن والإنس والملائكة. ثم يقول الحسين عليه السلام: خلوا بيني وبين هذا فيخرج
إليه المهدي عليه السلام فيقفان
[36]
بين العسكرين، فيقول الحسين عليه السلام:
إن كنت مهدي آل محمد صلى الله عليه وآله فأين هراوة جدي رسول الله صلى الله عليه
وآله، وخاتمه، وبردته، ودرعه الفاضل، وعمامته السحاب وفرسه، وناقته العضباء، وبغلته
دلدل، وحماره يعفور، ونجيبه البراق، وتاجه والمصحف الذي جمعه أمير المؤمنين عليه
السلام بغير تغيير ولا تبديل ؟ فيحضر له السفط الذي فيه جميع ما طلبه. وقال أبو عبد
الله عليه السلام: إنه كان كله في السفط، وتركات جميع النبيين حتى عصا آدم ونوح
عليهما السلام، وتركة هود وصالح عليهما السلام، ومجموع إبراهيم عليه السلام وصاع
يوسف عليه السلام، ومكيال شعيب عليه السلام وميزانه، وعصى موسى عليه السلام وتابوته
الذي فيه بقية ما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، ودرع داود عليه السلام
وخاتمه، وخاتم سليمان عليه السلام وتاجه، ورحل عيسى عليه السلام، وميراث النبيين
والمرسلين في ذلك السفط. وعند ذلك يقول الحسين عليه السلام: يا ابن رسول الله !
أسألك أن تغرس هراوة رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا الحجر الصلد وتسأل الله
أن ينبتها فيه، ولا يريد بذلك إلا أن يرى أصحابه فضل المهدي عليه السلام حتى يطيعوه
ويبايعوه، ويأخذ المهدي عليه السلام الهراوة فيغرسها فتنبت فتعلو وتفرع وتورق، حتى
تظل عسكر الحسين عليه السلام. فيقول الحسين عليه السلام: الله أكبر يا ابن رسول
الله، مد يدك حتى ابايعك فيبايعه الحسين عليه السلام وسائر عسكره إلا الأربعة آلاف
من أصحاب المصاحف والمسوح الشعر (1) المعروفون بالزيدية فانهم يقولون: ما هذا إلا
سحر عظيم. أقول: ثم ساق الحديث إلى قوله: إن أنصفتم من أنفسكم وأنصفتموه نحوا مما
مر ولم يذكر بعده شيئا. بيان: " الهود " التوبة والرجوع إلى الحق، وصبا يصبو: اي
مال وصبأ بالهمز أي خرج من دين إلى دين.
(1) المسوح: جمع مسح - بالكسر - ما يلبس
من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا للجسد، وكان فيما سبق ثوب الرهبان والمرتاضين
السياحين.
[37]
واعلم أن تاريخ الولادة مخالف لما مر
والمشهور أن سر من رأى بناها المعتصم ولعل المتوكل أتم بناءها وتعميرها فلذا نسبت
إليه، وقال الفيروز آبادي: سر من من رأى بضم السين والراء أي سرور وبفتحهما وبفتح
الأول وضم الثاني وسامرا ومده البحتري في الشعر أو كلاهما لحن وساء من رأى بلد، لما
شرع في بنائه المعتصم ثقل ذلك على عسكره فلما انتقل بهم إليها سر كل منهم برؤيتها
فلزمها هذا الاسم. قوله: " فبغير سنة القائم " لعل المعنى أن الحسين عليه السلام
كيف يظهر قبل القائم عليه السلام بغير سنته فأجاب عليه السلام بأن ظهوره بعد القائم
إذ كل بيعة قبله ضلالة. قوله عليه السلام " فها أنا ذا آدم " يعني في علمه وفضله
وأخلاقه التي بها تتبعونه وتفضلونه، وشحب لونه كجمع ونصر وكرم وعني تغير، قوله عليه
السلام " ويلزمهما إياه " أقول: العلة والسبب في إلزام ما تأخر عنهما من الآثام
عليهما ظاهر، لأنهما بمنع أمير المؤمنين عليه السلام عن حقه، ودفعه عن مقامه، صارا
سببين لاختفاء سائر الأئمة ومغلوبيتهم، وتسلط أئمة الجور وغلبتهم إلى زمان القائم
عليه السلام وصار ذلك سببا لكفر من كفر، وضلال من ضل، وفسق من فسق، لأن الامام مع
اقتداره واستيلائه وبسط يده يمنع من جميع ذلك، وعدم تمكن أمير المؤمنين صلوات الله
عليه من بعض تلك الامور في أيام خلافته إنما كان لما أسساه من الظلم والجور. وأما
ما تقدم عليهما، فلأنهما كانا راضيين بفعل من فعل مثل فعلهما من دفع خلفاء الحق عن
مقامهم، وما يترتب على ذلك من الفساد، ولو كانا منكرين لذلك لم يفعلا مثل فعلهم،
وكل من رضي بفعل فهو كمن أتاه، كما دلت عليه الآيات الكثيرة، حيث نسب الله تعالى
فعال آباء اليهود إليهم، وذمهم عليها لرضاهم بها وغير ذلك، واستفاضت به أخبار
الخاصة والعامة. على أنه لا يبعد أن يكون لأرواحهم الخبيثة مدخلا في صدور تلك
الامور عن الأشقياء كما أن أرواح الطيبين من أهل بيت الرسالة، كانت مؤيدة للأنبياء
والرسل، معينة لهم في الخيرات، شفيعة لهم في رفع الكربات، كما مر في كتاب
[38]
الامامة. ومع صرف النظر عن جميع ذلك يمكن
أن يأول بأن المراد إلزام مثل فعال هؤلاء الأشقياء عليهما، وأنهما في الشقاوة مثل
جميعهم لصدور مثل أفعال الجميع عنهما. قوله: والمنادي من حول الضريح. أي أجيبوا
وانصروا أولاد الرسول صلى الله عليه وآله الملهوفين المنادين حول ضريح جدهم. قوله
عليه السلام " والخاف " أي الجبل المطيف بالدنيا، ولا يبعد أن يكون تصحيف القاف،
والجزل بالفتح ما عظم من الحطب ويبس، والركل الضرب بالرجل وكذا الرفس. قوله عليه
السلام: " لداعيها " أي للداعي فيها إلى الحق " ولا يجاب مناديها " أي المستغيث
فيها، و " لا يخالف واليها " أي يطاع والي تلك الفتنة في كل ما يريد والجحجاح السيد
قوله: " جوانبها " لعله بدل بعض، وكذا نظائره. قوله عليه السلام: قال الله عزوجل "
فمنهم شقي وسعيد " لعله عليه السلام فسر قوله تعالى " إلا ما شاء ربك " بزمان
الرجعة بأن يكون المراد بالجنة والنار، ما يكون في عالم البرزخ، كما ورد في خبر آخر
واستدل عليه السلام بها على أن هذا الزمان منوط بمشية الله كما قال تعالى، غير
معلوم للخلق على التعيين، وهذا أظهر الوجوه التي ذكروها في تفسير هذه الآية.
[39]
(29) (باب الرجعة) 1 - خص: سعد، عن ابن
عيسى وابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان، عن محمد بن مسلم قال: سمعت
حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدثان جميعا قبل أن يحدث أبو الخطاب ما أحدث (1) أنهما
سمعا أبا عبد الله عليه السلام يقول: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا،
الحسين بن علي عليه السلام وإن الرجعة ليست بعامة، وهي خاصة لا يرجع إلا من محض
الايمان محضا أو محض الشرك محضا. 2 - خص: بهذا الإسناد، عن حماد، عن بكير بن أعين
قال: قال لي: من لا أشك فيه يعني أبا جعفر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه
وآله وعليا سيرجعان. 3 - خص: بهذا الإسناد، عن حماد، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه
السلام قال: لا تقولوا الجبت والطاغوت، ولا تقولوا الرجعة، فان قالوا لكم فانكم قد
كنتم
(1) هو محمد بن مقلاس - أو مقلاص - الاسدي
الكوفي أبو إسماعيل يعرف بابن أبي زينب البراد - كان يبيع الابراد - من أصحاب أبي
عبد الله الصادق عليه السلام، كان مستقيم الطريقة، ثم انحرف وتحول غاليا فأحدث
القول بالوهية أبي عبد الله عليه السلام و أنه رسول منه، وقد كان يقول بأن الائمة
عليهم السلام أنبياء، يعرف أصحابه بالخطابية. ومما أحدث أنه كان يقول وقت فضيلة
المغرب من بعد سقوط الشفق، والحال أن سقوط الشفق آخر وقت الفضيلة باجماع المسلمين،
ترى تفصيل ذلك في الوسائل أبواب المواقيت باب 18. لكنه قد روى أصحابنا عنه أحاديث
كثيرة في حال استقامته، وهكذا قبلوا ما لم يختص بروايته في حال الانحراف قال الشيخ
في المدة: " فما يختص الغلاة بروايته، فان كانوا ممن عرف لهم حال استقامة وحال غلو،
عمل بما رووه في حال الاستقامة، وترك ما رووه في حال غلوهم، ولاجل ذلك عملت الطائفة
بما رواه أبو الخطاب محمد بن أبي زينب في حال استقامته ".
[40]
تقولون ذلك فقولوا: أما اليوم فلا نقول،
فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان يتألف الناس بالمائة ألف درهم ليكفوا عنه،
فلا تتألفونهم بالكلام ؟ بيان: أي لا تسموا الملعونين بهذين الاسمين أو لا تتعرضوا
لهما بوجه. 4 - خص: بهذا الاسناد عن حماد، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه
السلام عن هذه الامور العظام من الرجعة وأشباهها فقال: إن هذا الذي تسألون عنه لم
يجئ أوانه، وقد قال الله عزوجل: " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله
" (1). 5 - خص: سعد، عن ابن يزيد، وابن أبي الخطاب واليقطيني وإبراهيم بن محمد
جميعا، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن محمد بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه
السلام في قول الله عزوجل: " ويوم نحشر من كل أمة فوجا " (2) فقال: ليس أحد من
المؤمنين قتل إلا سيرجع حتى يموت ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل. 6 -
خص: سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن حماد بن عيسى عن الحسين بن المختار، عن أبي
بصير قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: ينكر أهل العراق الرجعة ؟ قلت: نعم، قال:
أما يقرؤن القرآن " ويوم نحشر من كل أمة فوجا " (3). 7 - خص: سعد، عن ابن عيسى، عن
البزنطي، عن الحسين بن عمر بن يزيد عن عمر بن أبان، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله
عليه السلام قال: كأني بحمران بن أعين وميسر ابن عبد العزيز يخبطان الناس بأسيافهما
بين الصفا والمروة. 8 - خص: سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن عبد الله بن المغيرة، عمن
حدثه، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل عن قول الله عزوجل: "
ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم " (4) فقال: يا جابر أتدري ما سبيل الله ؟ قلت: لا
والله إلا إذا
(1) يونس: 39. (2) و (3) النمل: 83. (4)
آل عمران: 157.
[41]
سمعت منك فقال: القتل في سبيل علي عليه
السلام وذريته، فمن قتل في ولايته قتل في سبيل الله، وليس أحد يؤمن بهذه الآية إلا
وله قتلة وميتة، إنه من قتل ينشر حتى يموت، ومن مات ينشر حتى يقتل. شى: عن ابن
المغيرة مثله (1). بيان: لعل آخر الخبر تفسير لآخر الآية، وهو قوله: " ولئن متم أو
قتلتم لإلى الله تحشرون " (2) بأن يكون المراد بالحشر الرجعة (3). 9 - خص: سعد، عن
ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن فيض بن أبي شيبة قال: سمعت أبا عبد
الله عليه السلام يقول: وتلا هذه الآية " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين " (4) الآية
قال: ليؤمنن برسول الله صلى الله عليه وآله ولينصرن عليا أمير المؤمنين عليه السلام
[قلت: ولينصرن أمير المؤمنين ؟] (5) قال عليه السلام: نعم والله من لدن آدم فهلم
جرا، فلم يبعث الله نبيا ولا رسولا إلا رد جميعهم إلى الدنيا حتى يقاتلوا بين يدي
علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام.
(1) تفسير العياشي ج 1 ص ؟ 206. (2) آل
عمران: 158. (3) بل المراد أن الترديد في قوله " لئن قتلتم في سبيل الله، أو متم "
ليس باعتبار التحليل إلى كل فرد، بمعنى أن بعضكم يقتل في سبيل الله، وبعضكم يموت،
كما فهمه العامة، بل باعتبار الحياتين: ففي احداهما تقتلون في سبيل الله - أو في
غير سبيل الله - وفي الاخرى تموتون، وهي الرجعة. ولما كان القتل في سبيل الله خاصا
ببعض هذه المقتولين، كرر القول عاما فقال في آخر الاية " ولئن متم أو قتلتم لالى
الله تحشرون "، وفي تقديم الموت على القتل تارة وتأخيره اخرى دلالة على أن هذه
الرجعة ثابتة، فإذا قتل، رجع حتى يموت، وإذا مات رجع حتى يقتل فتدبر. (4) آل عمران:
81. (5) ما بين العلامتين ساقط من الاصل المطبوع، أضفناه طبقا لتفسير العياشي ج 1 ص
181. فراجع.
[42]
شي: عن فيض بن أبي شيبة مثله. 10 - خص:
سعد، عن ابن [أبي] الخطاب، عن محمد بن سنان، عن عمار ابن مسروق، عن المنخل بن جميل،
عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل " يا أيها المدثر قم
فأنذر " (1) يعني بذلك محمدا صلى الله عليه وآله وقيامه في الرجعة ينذر فيها وقوله
" إنها لإحدى الكبر نذيرا " (2) يعني محمدا صلى الله عليه وآله " نذيرا للبشر " في
الرجعة وفي قوله " إنا أرسلناك كافة للناس " (3) في الرجعة. 11 - خص: بهذا الاسناد،
عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول: إن المدثر هو
كائن عند الرجعة فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أحياة قبل القيامة ثم موت ؟ قال:
فقال له عند ذلك: نعم والله لكفرة من الكفر بعد الرجعة أشد من كفرات قبلها. 12 -
خص: سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم الحضرمي، عن
عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن إبليس
قال: " أنظرني إلى يوم يبعثون " (4) فأبى الله ذلك عليه " فقال إنك من المنظرين إلى
يوم الوقت المعلوم " فإذا كان يوم الوقت المعلوم، ظهر إبليس لعنه الله في جميع
أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم وهي آخر كرة يكرها أمير المؤمنين
عليه السلام فقلت: وإنها لكرات ؟ قال: نعم، إنها لكرات وكرات ما من إمام في قرن إلا
ويكر معه البر والفاجر في دهره حتى يديل الله المؤمن [من] الكافر. فإذا كان يوم
الوقت المعلوم كر أمير المؤمنين عليه السلام في أصحابه وجاء إبليس في أصحابه، ويكون
ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال له: الروحا قريب
(1) المدثر: 1 و 2. (2) المدثر: 36. (3)
يريد معنى قوله تعالى: " وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا " السبأ: 28 لا
لفظه، فانه لا توجد في القرآن آية بهذا اللفظ. (4) الاعراف: 15 و 16.
[43]
من كوفتكم، فيقتتلون قتالا لم يقتتل مثله
منذ خلق الله عزوجل العالمين فكأني أنظر إلى أصحاب علي أمير المؤمنين عليه السلام
قد رجعوا إلى خلفهم القهقرى مائة قدم وكأني أنظر إليهم وقد وقعت بعض أرجلهم في
الفرات. فعند ذلك يهبط الجبار عزوجل في ظلل من الغمام، والملائكة، وقضي الأمر رسول
الله صلى الله عليه وآله أمامه بيده حربة من نور فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقرى
ناكصا على عقبيه فيقولون له أصحابه: أين تريد وقد ظفرت ؟ فيقول: إني أرى ما لاترون
إني أخاف الله رب العالمين، فيلحقه النبي صلى الله عليه وآله فيطعنه طعنة بين
كتفيه، فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه، فعند ذلك يعبد الله عزوجل ولا يشرك به شيئا
ويملك أمير المؤمنين عليه السلام أربعا وأربعين ألف سنة حتى يلد الرجل من شيعة علي
عليه السلام ألف ولد من صلبه ذكرا وعند ذلك تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد
الكوفة وما حوله له بما شاء الله. بيان: هبوط الجبار تعالى كناية عن نزول آيات
عذابه وقد مضى تأويل الآية المضمنة في هذا الخبر في كتاب التوحيد (1) وقد سبق
الرواية عن الرضا عليه السلام هناك أنها هكذا نزلت " إلا أن يأتيهم الله بالملائكة
في ظلل من الغمام " وعلى هذا يمكن أن يكون الواو في قوله " والملائكة " هنا زائدا
من النساخ. 13 - خص: بهذا الاسناد، عن عبد الله بن القاسم، عن الحسين بن أحمد
المنقري، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الذي يلي حساب
الناس قبل يوم القيامة الحسين بن علي عليهما السلام، فأما يوم القيامة فانما هو بعث
إلى الجنة وبعث إلى النار. 14 - خص: سعد، عن أيوب بن نوح والحسن بن علي بن عبد الله
معا، عن العباس بن عامر، عن سعيد، عن داود بن راشد، عن حمران، عن أبي جعفر عليه
السلام
(1) راجع ج 3 ص 319 من الطبعة الحديثة،
فنقل عن الطبرسي في قوله تعالى " هل ينظرون الا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام "
البقرة: 210، أنه قال: أي هل ينتظر هؤلاء المكذبون بآيات الله الا أن يأتيهم أمر
الله، أو عذاب الله، في ستر من السحاب وقيل معناه ما ينتظرون الا أن يأتيهم جلائل
آيات الله غير أنه ذكر نفسه تفخيما للايات.
[44]
قال: إن أول من يرجع لجاركم الحسين عليه
السلام فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه من الكبر. خص: سعد، عن ابن عيسى وابن عبد
الجبار وأحمد بن الحسن بن فضال جميعا، عن الحسن بن فضال، عن أبي المغراء (1) عن
داود بن راشد مثله. 15 - خص: سعد، عن أحمد بن محمد السياري، عن أحمد بن عبد الله بن
قبيصة، عن أبيه، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: "
يوم هم على النار يفتنون " (2) قال يكسرون في الكرة كما يكسر الذهب حتى يرجع كل شئ
إلى شبهه يعني إلى حقيقته. بيان: لعله إشارة إلى ما مر في الأخبار من المزج بين
الطينتين، أو المراد افتتانهم حتى يظهر حقائقهم. 16 - خص: سعد، عن اليقطيني، عن
القاسم، عن جده الحسن، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: قال: لترجعن نفوس ذهبت
وليقتصن يوم يقوم ومن عذب يقتص بعذابه ومن أغيظ أغاظ بغيظه ومن قتل اقتص بقتله،
ويرد لهم أعداؤهم معهم، حتى يأخذوا بثأرهم، ثم يعمرون بعدهم ثلاثين شهرا ثم يموتون
في ليلة واحدة قد أدركوا ثأرهم، وشفوا أنفسهم، ويصير عدوهم إلى أشد النار عذابا. ثم
يوقفون بين يدي الجبار عزوجل فيؤخذ لهم بحقوقهم. 17 - خص: بهذا الاسناد عن الحسن بن
راشد، عن محمد بن عبد الله بن الحسين قال: دخلت مع أبي علي أبي عبد الله عليه
السلام فجرى بينهما حديث فقال أبي لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في الكرة ؟
قال: أقول فيها ما قال الله عزوجل وذلك أن تفسيرها (3) صار إلى رسول الله قبل أن
يأتي هذا الحرف بخمسة وعشرين ليلة قول الله
(1) عنونه ابن داود في القسم الاول وضبطه
بالغين المعجمة والراء ممدود، مفتوح الميم، واسمه حميد - بالتصغير - بن المثنى
العجلى مولاهم الكوفي الصيرفي، من أصحاب أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام.
ثقة ثقة. (2) الذاريات: 13. (3) يعني تفسير الكرة.
[45]
عزوجل " تلك إذا كرة خاسرة " (1) إذا
رجعوا إلى الدنيا، ولم يقضوا ذحولهم فقال له أبي: يقول الله عزوجل " فانما هي زجرة
واحدة فإذا هم بالساهرة " أي شئ أراد بهذا ؟ فقال: إذا انتقم منهم وباتت (2) بقية
الأرواح ساهرة لا تنام ولا تموت. بيان: الذحول جمع الذحل، وهو طلب الثأر، ولعل
المعنى أنهم إنما وصفوا هذه الكرة بالخاسرة، لأنهم بعد أن قتلوا وعذبوا لم ينته
عذابهم، بل عقوبات القيامة معدة لهم، أو أنهم لا يمكنهم تدارك ما يفعل بهم من أنواع
القتل والعقاب. قوله عليه السلام: " ساهرة " لعل التقدير فإذا هم بالحالة الساهرة،
على الإسناد المجازي أو في جماعة ساهرة. قال البيضاوي: " قالوا: تلك إذا كرة خاسرة
" ذات خسران أو خاسر أصحابها، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها،
وهو استهزاء منهم " فانما هي زجرة واحدة " متعلق بمحذوف، أي لا تستصعبوها فما هي
إلا صيحة واحدة يعني النفخة الثانية " فإذا هم بالساهرة " فإذا هم أحياء على وجه
الأرض، بعد ما كانوا أمواتا في بطنها و " الساهرة " الأرض البيضاء المستوية سميت
بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة للتي تجري ماؤها وفي ضدها نائمة أو
لأن سالكها يسهر خوفا وقيل اسم جهنم انتهى. أقول: على تأويله عليه السلام قولهم "
تلك إذا كرة خاسرة " كلامهم في الرجعة على التحقيق لا في الحياة الاولى على
الاستهزاء. 18 - خص: سعد، عن جماعة من أصحابنا، عن ابن أبي عثمان وإبراهيم ابن
إسحاق، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
قول الله عزوجل " وجعلكم أنبياء وجعلكم ملوكا " (3) فقال: الأنبياء رسول الله
(1) النازعات: 12 - 14. (2) في الاصل
المطبوع: " ماتت " وهو تصحيف ظاهر. (3) يريد معنى قوله: " اذكروا نعمة الله عليكم
إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا " المائدة: 20.
[46]
وإبراهيم وإسماعيل وذريته، والملوك الأئمة
عليهم السلام. قال: فقلت: وأي ملك أعطيتم ؟ فقال: ملك الجنة، وملك الكرة. 19 - خص:
سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازي ومحمد البرقي، عن النضر عن يحيى الحلبي، عن المعلى
أبي عثمان، عن المعلى بن خنيس قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أول من يرجع
إلى الدنيا، الحسين بن علي عليه السلام فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر،
قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: في قول الله عز وجل " إن الذي فرض عليك القرآن
لرادك إلى معاد " (1) قال: نبيكم صلى الله عليه وآله راجع إليكم. 20 - خص: من كتاب
الواحدة روى عن محمد بن الحسن بن عبد الله الأطروش عن جعفر بن محمد البجلي، عن
البرقي، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال:
قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أحد واحد، تفرد في وحدانيته
ثم تكلم بكلمة فصارت نورا ثم خلق من ذلك النور محمدا صلى الله عليه وآله وخلقني
وذريتي ثم تكلم بكلمة فصارت روحا فأسكنه الله في ذلك النور، وأسكنه في أبداننا فنحن
روح الله وكلماته، فبنا احتج على خلقه، فما زلنا في ظلة خضراء، حيث لا شمس ولا قمر
ولا ليل ولا نهار، ولا عين تطرف، نعبده ونقدسه ونسبحه، وذلك قبل أن يخلق الخلق وأخذ
ميثاق الأنبياء بالايمان والنصرة لنا، وذلك قوله عزوجل " وإذ أخذ الله ميثاق
النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه
" (2) يعني لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وآله ولتنصرن وصيه، وسينصرونه جميعا. وإن
الله أخذ ميثاقي مع ميثاق محمد صلى الله عليه وآله بالنصرة بعضنا لبعض، فقد نصرت
محمدا وجاهدت بين يديه، وقتلت عدوه، ووفيت لله بما أخذ علي من الميثاق والعهد،
والنصرة لمحمد صلى الله عليه وآله ولم ينصرني أحد من أنبياء الله ورسله، وذلك لما
قبضهم الله إليه، وسوف ينصرونني، ويكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها
(1) القصص: 85. (2) آل عمران: 81. (*)
[47]
وليبعثن الله أحياء من آدم إلى محمد صلى
الله عليه وآله كل نبي مرسل، يضربون بين يدي بالسيف هام الأموات والأحياء والثقلين
جميعا. فيا عجبا وكيف لا أعجب من أموات يبعثهم الله أحياء يلبون زمرة زمرة
بالتلبية: لبيك لبيك يا داعي الله، قد تخللوا بسكك الكوفة، قد شهروا سيوفهم على
عواتقهم ليضربون بها هام الكفرة، وجبابرتهم وأتباعهم من جبارة الأولين والآخرين حتى
ينجز الله ما وعدهم في قوله عزوجل " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " (1) أي يعبدونني آمنين
لا يخافون أحدا من عبادي ليس عندهم تقية. وإن لي الكرة بعد الكرة، والرجعة بعد
الرجعة، وأنا صاحب الرجعات والكرات، وصاحب الصولات والنقمات، والدولات العجيبات (2)
وأنا قرن من حديد، وأنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله. أنا أمين الله
وخازنه، وعيبة سره وحجابه ووجهه وصراطه وميزانه وأنا الحاشر إلى الله، وأنا كلمة
الله التي يجمع بها المفترق ويفرق بها المجتمع. وأنا أسماء الله الحسنى، وأمثاله
العليا، وآياته الكبرى، وأنا صاحب الجنة والنار، أسكن أهل الجنة الجنة، وأسكن أهل
[النار] النار، وإلي تزويج أهل الجنة وإلي عذاب أهل النار، وإلي إياب الخلق جميعا،
وأنا الاياب الذي يؤوب إليه كل شئ بعد القضاء، وإلي حساب الخلق جميعا، وأنا صاحب
(1) النور: 55. (2) قوله عليه السلام "
أنا صاحب الرجعات والكرات " أي الرجعات إلى الدنيا والدولة: الغلبة، أي أنا صاحب
الغلبة على أهل الغلبة في الحروب، أو المعنى أنه كان دولة كل ذي دولة من الانبياء
والاوصياء بسبب أنوارنا، أو كان غلبتهم على الاعادي بالتوسل بنا كما دلت عليه
الاخبار الكثيرة، أو المعنى أن لي علم كل كرة، وعلم كل دولة، منه رحمه الله.
[48]
الهبات، وأنا المؤذن على الأعراف، (1)
وأنا بارز الشمس، أنا دابة الأرض، وأنا قسيم النار (2) وأنا خازن الجنان وصاحب
الأعراف (3). وأنا أمير المؤمنين، ويعسوب المتقين، وآية السابقين، ولسان الناطقين،
وخاتم الوصيين، ووارث النبيين، وخليفة رب العالمين، وصراط ربي المستقيم، وفسطاطه
والحجة على أهل السماوات والأرضين، وما فيهما وما بينهما، وأنا الذي احتج الله به
عليكم في ابتداء خلقكم، وأنا الشاهد يوم الدين، وأنا الذي علمت علم المنايا
والبلايا والقضايا، وفصل الخطاب والأنساب، واستحفظت آيات النبيين المستخفين
المستحفظين. وأنا صاحب العصا والميسم (4)، وأنا الذي سخرت لي السحاب والرعد
(1) روى الصدوق في المعاني ص 59 باسناده
عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال خطب أمير المؤمنين بالكوفة منصرفه من
النهروان - وذكر الخطبة إلى أن قال فيها: وأنا المؤذن في الدنيا والاخرة قال الله
عزوجل " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " أنا ذلك المؤذن وقال " وأذان
من الله ورسوله " فأنا ذلك الاذان. (2) هذا هو الصحيح، وما يقوله المولدون: هو قسيم
النار والجنة، فمعنى غير ثابت في اللغة، فان " قسيم " انما هو بمعنى مقاسم قال في
الاساس: " وهو قسيمي: مقاسمى، وفي حديث علي عليه السلام: أنا قسيم النار " يعني أنه
يقول للنار: هذا الكافر لك وهذا المؤمن لي. لكن المولدين يطلقون القسيم ويريدون به
معنى مقسم، كما قال شاعرهم: علي حبه جنة * قسيم النار والجنة * وصي المصطفى حقا *
امام الانس والجنة. (3) اشارة إلى قوله تعالى " وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا
بسيماهم " فقد روى في المجمع عن الحاكم الحسكاني باسناده رفعه إلى الاصبغ بن نباتة
قال: كنت جالسا عند علي عليه السلام فأتاه ابن الكواء فسأله عن هذه الاية فقال:
ويحك يا بن الكواء نحن نقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه
فأدخلناه الجنة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار. (4) اشارة إلى انه صلوات
الله عليه دابة الارض، وقد روى الطبرسي في تفسيره ج 7 ص 347 والزمخشري في الكشاف ج
2 ص 370 عن حذيفة، عن النبي صلى الله =
[49]
والبرق، والظلم والأنوار، والرياح والجبال
والبحار، والنجوم والشمس والقمر أنا القرن الحديد (1) وأنا فاروق الامة، وأنا
الهادي وأنا الذي أحصيت كل شئ عددا بعلم الله الذي أودعنيه، وبسره الذي أسره إلى
محمد صلى الله عليه وآله وأسره النبي صلى الله عليه وآله إلي، وأنا الذي أنحلني ربي
اسمه وكلمته وحكمته وعلمه وفهمه. يا معشر الناس اسألوني قبل أن تفقدوني، اللهم إني
اشهدك واستعديك عليهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله متبعين
أمره. بيان: [" وإذ أخذ الله " قال البيضاوي قيل إنه على ظاهره وإذا كان هذا حكم
الأنبياء كان الامم به أولى وقيل: معناه أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم
واستغنى بذكرهم عن ذكر أممهم، وقيل: إضافة الميثاق إلى النبيين إضافة إلى الفاعل
والمعنى إذ أخذ الله الميثاق الذي واثقه الأنبياء على أممهم، وقيل: المراد أولاد
النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرائيل أو سماهم نبيين تهكما لأنهم كانوا يقولون
نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا انتهى. وقال أكثر
المفسرين: النصرة البشارة للامم به ولا يخفى بعده وما في الخبر هو ظاهر الآية].
وقال الجزري: في حديث عمرو الاسقف قال: أجدك قرنا قال: قرن مه ؟ قال: قرن من حديد،
القرن: بفتح القاف الحصن. أقول: قد مر تفسير سائر أجزاء الخبر في كتاب أحوال أمير
المؤمنين عليه السلام (2).
= عليه وآله قال: " دابة الارض طولها ستون
ذراعا لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب فتسم المؤمن بين عينيه وتكتب " مؤمن " وتسم
الكافر بين عينيه وتكتب " كافر " ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن
بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى يقال: يا مؤمن ويا كافر. (1) شبه عليه السلام
نفسه بالحصن من الحديد لمناعته ورزانته وحمايته للخلق، منه رحمه الله. (2) راجع ج
39 ص 335 - 353 من الطبعة الحديثة: باب ما بين من مناقب نفسه القدسية.
[50]
21 - شي: عن صالح بن ميثم، قال: سألت أبا
جعفر عن قول الله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها " (1) قال: ذلك حين
يقول علي عليه السلام أنا أولى الناس بهذه الآية " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا
يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون " إلى قوله "
كاذبين " (2). 22 - لي: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم عن
عامر بن معقل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: يا با
حمزة لا تضعوا عليا دون ما وضعه الله، ولا ترفعوا عليا فوق ما رفعه الله، كفى بعلي
أن يقاتل أهل الكرة وأن يزوج أهل الجنة. ير: ابن عيسى مثله. خص: سعد، عن ابن عيسى،
عن علي بن النعمان، عن عامر بن معقل مثله. 23 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن
مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا إلا
ويرجع إلى الدنيا وينصر أمير المؤمنين عليه السلام وهو قوله: " لتؤمنن به " (3)
يعني برسول الله صلى الله عليه وآله " ولتنصرن " أمير المؤمنين. 24 - فس: " وإن من
أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا " (4) فانه روي أن
رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رجع آمن به الناس كلهم. قال: وحدثني أبي، عن
القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري عن أبي حمزة، عن شهر بن حوشب قال: قال
لي الحجاج: يا شهر ! آية في كتاب الله قد أعيتني فقلت: أيها الأمير أية آية هي ؟
فقال: قوله: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " والله لأني لآمر
باليهودي والنصراني فتضرب عنقه، ثم
(1) آل عمران: 83. (2) النحل: 38 و 39
والحديث في المصدر ج 1 ص 183. (3) آل عمران: 81. (4) النساء: 158.
[51]
أرمقه بعيني فما أراه يحرك شفتيه حتى
يحمل، فقلت: أصلح الله الأمير ليس على ما تأولت، قال: كيف هو ؟ قلت: إن عيسى ينزل
قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملة يهودي ولا غيره إلا آمن به قبل موته،
ويصلي خلف المهدي. قال: ويحك أنى لك هذا ؟ ومن أين جئت به ؟ فقلت: حدثني به محمد بن
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فقال: جئت والله بها من عين صافية.
25 - فس: " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله " (1) أي لم يأتهم
تأويله " كذلك كذب الذين من قبلهم " قال: نزلت في الرجعة كذبوا بها أي أنها لا تكون
ثم قال " ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ". 26 - فس: "
ولو أن لكل نفس " ظلمت آل محمد حقهم " ما في الأرض جميعا لافتدت به " (2) في ذلك
الوقت يعني الرجعة. 27 - فس: " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " (3) سئل الإمام أبو
عبد الله عليه السلام عن قوله " ويوم نحشر من كل أمة فوجا " (4) قال: ما يقول الناس
فيها ؟ قلت: يقولون: إنها في القيامة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيحشر الله
في القيامة من كل أمة فوجا ويترك الباقين ؟ إنما ذلك في الرجعة فأما آية القيامة
فهذه " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " إلى قوله " موعدا ". 28 - فس: أحمد بن
إدريس، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن المستنير، عن معاوية
بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قول الله " إن له معيشة ضنكا " (5)
قال: هي والله للنصاب، قال: جعلت فداك قد رأيناهم دهرهم الأطول في كفاية حتى ماتوا
؟ قال: ذاك والله في الرجعة، يأكلون العذرة.
(1) يونس: 39. (2) يونس: 54. (3) الكهف.
48. (4) النمل: 83. (5) طه: 124.
[52]
خص: سعد، عن أحمد بن محمد مثله. 29 - فس:
قوله: " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " (1) فانه حدثني أبي، عن ابن أبي
عمير، عن ابن سنان، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما
السلام قالا: كل قرية أهلك الله أهله بالعذاب لا يرجعون في الرجعة فهذه الآية من
أعظم الدلالة في الرجعة، لأن أحدا من أهل الاسلام لا ينكر أن الناس كلهم يرجعون إلى
القيامة، من هلك ومن لم يهلك، فقوله: " لا يرجعون " عني في الرجعة، فأما إلى
القيامة يرجعون حتى يدخلوا النار. بيان: قال الطبرسي: اختلف في معناه على وجوه:
أحدها أن " لا " مزيدة والمعنى حرام على قرية مهلكة بالعقوبة أن يرجعوا إلى [دار]
الدنيا، وقيل: إن معناه واجب عليها أنها إذا اهلكت لا ترجع إلى دنياها، قد جاء
الحرام بمعنى الواجب، وثانيها أن معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أن
يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون إلى التوبة، وثالثها أن معناه حرام أن لا يرجعوا
بعد الممات بل يرجعون أحياء للمجازات ثم ذكر رواية محمد بن مسلم (2). 30 - فس: أبي،
عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انتهى رسول الله
صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد قد جمع رملا
ووضع رأسه عليه، فحركه برجله، ثم قال: قم يا دابة الله فقال رجل من أصحابه: يا رسول
الله أنسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم ؟ فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة، وهو الدابة
التي ذكر الله في كتابه " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن
الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " (3) ثم قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله
في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك. فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن
العامة يقولون: هذه الآية إنما
(1) الانبياء: 95. (2) نقله ملخصا راجع ج
7 ص 63، من تفسير مجمع البيان. (3) النمل: 82 والحديث في المصدر ص 479 و 480.
[53]
تكلمهم ؟ (1) فقال أبو عبد الله: كلمهم
الله في نار جهنم إنما هو تكلمهم من الكلام والدليل على أن هذا في الرجعة قوله "
ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون حتى إذا جاؤا قال أكذبتم
بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون " (2) قال: الآيات أمير المؤمنين
والأئمة عليهم السلام فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن العامة تزعم أن
قوله: " ويوم نحشر من كل امة فوجا " عنى في القيامة فقال أبو عبد الله عليه السلام:
فيحشر الله يوم القيامة من كل أمة فوجا ويدع الباقين لا ولكنه في الرجعة وأما آية
القيامة " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " (3). حدثني أبي قال: حدثني ابن أبي عمير،
عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله " ويوم نحشر من كل أمة فوجا " قال:
ليس أحد من المؤمنين قتل إلا يرجع حتى يموت، ولا يرجع إلا من محض الايمان محضا أو
محض الكفر محضا. قال أبو عبد الله عليه السلام: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا
اليقظان آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي وشككتني ؟ قال عمار: وأية آية هي ؟ قال:
قول الله " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا
بآياتنا لا يوقنون " (4) الآية فأية دابة هذه ؟ قال عمار: والله ما أجلس ولا آكل
ولا أشرب حتى اريكها. فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين وهو يأكل تمرا وزبدا
فقال: يا أبا اليقظان هلم فجلس عمار وأقبل يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام
عمار قال الرجل: سبحان الله يا أبا اليقظان، حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس
حتى ترينيها ؟ قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل. 31 - فس: " سيريكم آياته
فتعرفونها " (5) قال: أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام إذا رجعوا يعرفهم أعداؤهم
إذا رأوهم والدليل على أن الآيات هم الأئمة قول
(1) يريد أنها من الكلم بمعنى الجرح. (2)
النمل: 83 و 84. (3) الكهف: 48. (4) النمل: 82: (5) النمل: 93. (*)
[54]
أمير المؤمنين صلوات الله عليه " ما لله
آية أعظم مني " فإذا رجعوا إلى الدنيا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم في الدنيا. 32 -
فس: " طسم تلك آيات الكتاب المبين " ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال: " نتلوا
عليك " يا محمد " من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنو