بحار الانوار الجزء 4
بسمه تعالى
بحار الانوار مجلد: 4 من ص 1 سطر 1 الى ص 9 سطر 18
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
} أبواب تأويل الايات {
} والاخبار الموهمة لخلاف ما سبق {
} باب 1 {
} تأويل قوله تعالى : خلقت بيدى ، وجنب الله ، ووجه الله ، {
( ويوم يكشف عن ساق ، وأمثالها )
1 - فس : محمد بن أحمد بن ثابت ، عن القاسم بن إسماعيل الهاشمي ، عن محمد بن
سيار ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال :
لوأن الله خلق
الخلق كلهم بيده لم يحتج في آدم أنه خلقه بيده فيقول : " ما منعك أن تسجد لما خلقت
بيدي " أفترى الله يبعث الاشياء بيده ؟ .
بيان : لعل المراد أنه لو كان الله تعالى جسما يزاول الاشياء ويعالجها بيده لم
يكن ذلك مختصا بآدم عليه السلام ، بل هو تعالى منزه عن ذلك ، وهو كناية عن كمال
العناية
بشأنه كما سيأتي
2 - يد ، مع : ابن عصام ، عن الكليني ، عن العلان ، عن اليقطيني قال : سألت
أبا الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام عن قول الله عزوجل : " والارض جميعا
قبضته يوم
القيمة والسموات مطويات بيمينه " فقال : ذلك تعيير الله تبارك وتعالى لمن شبهه
بخلقه ،
ألاترى أنه قال : " وما قدروا الله حق قدره " ومعناه إذ قالوا : إن الارض جميعا
قبضته يوم
القيامة والسماوات مطويات بيمينه ، كما قال عزوجل : وما قدروا الله حق قدره " إذ
قالوا :
ما أنزل الله على بشر من شئ ، ثم نزه عزوجل نفسه عن القبضة واليمين فقال : " سبحانه
وتعالى عما يشركون " .
[ 2 ]
بيان : هذا وجه حسن لم يتعرض له المفسرون ، وقوله تعالى : " وما قدروا الله
حق قدره " متصل بقوله " والارض جميعا " فيكون على تأويله عليه السلام القول مقدرا
أي
ما عظموا اله حق تعظيمه وقد قالوا : إن الارض جميعا ، ويؤيده أن العامة رووا أن
يهوديا أتى النبي صلى الله عليه واله وذكر نحوا من ذلك فضحك صلى الله عليه واله .
3 - يد : أحمد بن الهيثم العجلي ، عن ابن زكريا القطان ، عن ابن حبيب ، عن
ابن بهلول ، عن أبيه ، عن أبي الحسن العبدي ، عن سليمان بن مهران قال : سألت أبا
عبدالله
عليه السلام عن قول الله عزوجل : " والارض جميعا قبضته يوم القيمة " فقال : يعني
ملكه لا يملكها
معه أحد والقبض من الله تعالى في موضع آخر : المنع ، والبسط منه : الاعطاء والتوسيع
كما قال عزوجل : " والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون " يعني يعطي ويوسع ويمنع و
يضيق . والقبض منه عزوجل في وجه آخر : الاخذ في وجه القبول منه كما قال : " ويأخذ
الصدقات " أي يقبلها من أهلها ويثيب عليها . قلت : فقوله عزوجل : " والسموات مطويات
بيمينه " قال : اليمين : اليد ، واليد : القدرة والقوة ، يقول عزوجل : والسموات
مطويات بقدرته وقوته ، سبحانه وتعالى عما يشركون .
بيان : قال الشيخ الطبرسي رحمه الله : القبضة في اللغة : ما قبضت عليه بجميع كفك
أخبر الله سبحانه عن كمال قدرته فذكر أن الارض كلها مع عظمها في مقدوره كالشئ الذي
يقبض عليه القابض بكفه فيكون في قبضته ، وهذا تفهيم لنا على عادة التخاطب فيما
بيننا
لانا نقول : هذا في قبضة فلان وفي يد فلان إذا هان عليه التصرف فيه وإن لم يقبض
عليه ،
وكذا قوله : " والسموات مطويات بيمينه " أي يطويها بقدرته كما يطوي أحدمنا الشئ
المقدور له طيه بيمينه ، وذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك ، كما
قال :
" أو ما ملكت أيمانكم " أي ما كانت تحت قدرتكم إذ ليس الملك يختص باليمين دون
الشمال
وسائر الجسد ، وقيل : معناه انها محفوظات مصونات بقوته واليمين : القوة . ( 1 )
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الرضى رضوان الله عليه في تلخيص البيان : وهاتان استعارتان
، ومعنى " قبضنا " ههنا أى ملك
له خالص قد ارتفعت عنه أيدى المالكين من بريته والمتصرفين فيه من خليفته ، وقدورت
تعالى عباده ما * ( * )
[ 3 ]
4 - يد ، ن : الهمداني ، عن علي ، عن أبيه ، عن الهروي قال : قلت لعلي بن موسى
الرضا عليه السلام : يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث :
إن المؤمنين
يزورون ربهم من منازلهم في الجنة ؟ فقال عليه السلام : يا أبا الصلت إن الله تبارك
وتعالى
فضل نبيه محمدا صلى الله عليه واله على جميع خلقه من النبيين والملائكة ، وجعل
طاعته طاعته ، و
مبايعته مبايعته ، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته ، فقال عز وجل : " من يطع
الرسول
فقد أطاع الله " وقال : " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يدالله فوق أيديهم "
وقال
النبي صلى الله عليه واله : من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زارالله . ودرجة
النبي صلى الله عليه واله في الجنة
أرفع الدرجات ، فمن زاره إلي درجته في الجنة من منزلته فقد زارالله تبارك وتعالى :
قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه أن ثواب لا إله إلا
الله
النظر إلى وجه الله ؟ فقال عليه السلام : يا أبا الصلت من وصف الله بوجه كالوجوه
فقد كفر ، ولكن
وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم ، هم الذين بهم يتوجه إلي الله
عزوجل ،
وإلى دينه ومعرفته ، وقال الله عزوجل : " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك " وقال عز
وجل " كل شئ هالك إلا وجهه " فالنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه عليهم السلام في
درجاتهم
ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة ، وقد قال النبي صلى الله عليه واله : من أبغض أهل
بيتي وعترتي
* ( هامش ) * * كان ملكهم في دار الدنيا من ذلك ، فلم يبق ملك إلا انتقل ، ولا مالك
إلا بطل . وقيل أيضا : معنى
ذلك أن الارض قى مقدوره كالذى يقبض عليه القابض ويستولى عليه كفه ، ويحوزه ملكه ،
ولا يشاركه فيه
غيره . ومعنى قوله : " والسموات مطويات بيمينه " أى مجموعات في ملكه ومضمونات
بقدرته ، و
اليمين ههنا بمعنى الملك ، يقول القائل : هذا ملك يمينى ، وليس يريد اليمين التى هى
الجارحة ، وقد
يعبرون عن القوة أيضا باليمين ، فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله : "
مطويات بيمينه " أى
يجمع أقطارها ويطوى انتشارها بقوته ، كما قال سبحانه : " يوم نطوى السماء كطى السجل
للكتب "
وقيل : لليمين ههنا وجه آخر وهو أن يكون بمعنى القسم ، لانه تعالى لما قال في سورة
الانبياء : " يوم
نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين "
كان التزامه
تعالى فعل ما أوجبه على نفسه بهذا الوعد ، كأنه قسم أقسم به ليفعلن ذلك ، فأخبر
سبحانه في هذا
الموضع من السورة الاخرى " إن السماوات مطويات بيمينه " أى بذلك الوعد الذى ألزمه
نفسه تعالى
وجرى مجرى القسم الذى لابد أن يقع الوفاء به ، والخروج منه . والاعتماد على القولين
المتقدمين
أولى . ( * )
[ 4 ]
لم يرني ولم أره يوم القيامة ، وقال صلى الله عليه واله : إن فيكم من لا يراني بعد
أن يفارقني ، يا أبا الصلت
إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ولايدرك بالابصار والاوهام .
قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فأخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان ؟
فقال : نعم ، وإن رسول الله صلى الله عليه واله قد دخل الجنة ورأى النار لما عرج به
إلى السماء .
قال : فقلت له : إن قوما يقولون إنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين . فقال عليه
السلام : ما
اولئك منا ولا نحن منهم ، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي صلى الله عليه
واله وكذبنا ،
وليس من ولايتنا على شئ ويخلد في نار جهنم ، قال الله عزوجل : " هذه جهنم التي
يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن " وقال النبي صلى الله عليه واله :
لما عرج بي إلي
السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته فتحول ذلك نطفة
في صلبي ، فلما هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، ففاطمة حوراء إنسية
فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة . ( 1 )
5 - يد ، مع : الدقاق ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن الحسين بن الحسن ،
عن بكر ، عن أبي عبدالله البرقي ، عن عبد الله بن يحيى ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن
محمد
ابن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت : قوله عزوجل : " يا إبليس ما منعك
أن تسجد
لما خلقت بيدي " فقال : اليد في كلام العرب : القوة والنعمة ، قال الله : " واذكر
عبدنا داود
ذاالايد " وقال : والسماء بنيناها بأيد " أي بقوة ، وقال : " وأيدهم بروح منه " أي
قواهم "
ويقال : لفلان عندي أيادي كثيرة أي فواضل وإحسان ، وله عندي يد بيضاء أي نعمة .
بيان : يظهر منه أن التأييد مشتق من اليد بمعنى القوة كما يظهر من كلام الجوهري
أيضا .
6 - يد ، مع : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن محمد بن عيسى ، عن المشرقي ، عن
عبدالله بن قيس ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : سمعته يقول : بل يداه
مبسوطتان .
فقلت له : يدان هكذا ؟ - وأشرت بيدي إلى يديه - فقال : لا لو كان هكذا لكان مخلوقا
.
* ( هامش ) * ( 1 ) أخرج الحديث مقطعا عن التوحيد والعيون والامالى والاحتجاج في
باب نفى الرؤية تحت
رقم 6 . ( * )
[ 5 ]
بيان : غل اليد وبسطها كناية عن البخل والجود ، وثني اليد مبالغة في الرد
ونفي البخل عنه ، وإثبات لغاية الجود ، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه
بيديه ، أو للاشارة إلى منح الدنيا والآخرة ، أو ما يعطى للاستدراج وما يعطى
للاكرام
أو للاشارة إلى لطفة وقهره .
7 - فس : " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك " قال : دين ربك . وقال علي بن
الحسين عليهما السلام : نحن الوجه الذي يؤتى الله منه .
8 - يد ، مع : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن ابن بزيع ، عن منصور بن
يونس ، عن جليس لابي حمزة ، عن أبي حمزة قال : قلت لابي جعفر عليه السلام قول الله
عز و
جل : " كل شئ هالك إلا وجهه " قال : فيهلك كل شئ ، ويبقي الوجه إن الله عزوجل أعظم
من أن يوصف بالوجه ، ولكن معناه : كل شئ هالك إلادينه ، والوجه الذي يؤتى منه .
ير : ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن منصور مثله .
ير : أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمد بن إسماعيل ، عن منصور ، عن
أبي حمزة مثله .
9 - ير : أحمد ، عن الحسين ، عن بعض أصحابنا ، عن ابن عميرة ، عن ابن المغيرة
قال : كنا عند أبي عبدالله عليه السلام فسأله رجل عن قول الله : " كل شئ هالك إلا
وجهه "
قال : ما يقولون فيه ؟ قلت : يقولون : يهلك كل شئ إلا وجهه ، فقال : يهلك كل شئ
إلا وجهه الذي يؤتى منه ، ونحن وجه الله الذي يؤتى منه .
10 - يد ، مع : ابن المتوكل ، عن السعد آبادي ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن ربيع
الوراق ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل : " كل شئ
هالك
عن علي إلا وجهه " قال : نحن .
11 - يد : ما جيلويه ، عن محمد العطار ، عن سهل ، عن البزنطي ، عن صفوان
الجمال ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل : " كل شئ هالك إلا وجهه "
قال :
من أتى الله بما أمر به من طاعة محمد والائمة من بعده صلوات الله عليهم فهو الوجه
الذي
لا يهلك ، ثم قرأ " من يطع الرسول فقد أطاع الله " .
[ 6 ]
12 - وبهذا الاسناد قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : نحن وجه الله لا يهلك .
13 - يد : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن يزيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن
أبي سعيد المكاري ، ( 1 ) عن أبي بصير ، عن الحارث بن المغيرة النصري ( 2 ) قال :
سألت
أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل : " كل شئ هالك إلا وجهه " قال : كل شئ
هالك إلا
من أخذ طريق الحق .
بيان : ذكر المفسرون فيه وجهين : أحدهما أن المراد به إلا ذاته كما يقال : وجه
هذا الامر أي حقيقته . وثانيهما أن المعنى ما اريد به وجه الله من العمل . واختلف
على
الاول في الهلاك هل هو الانعدام حقيقة ، أو أنه لامكانه في معرض الفناء والعدم ،
وعلى
ماورد في تلك الاخبار يكون المراد بالوجه الجهة كما هو في أصل اللغة ، فيمكن أن
يراد
به دين الله إذبه يتوسل إلى الله ويتوجه إلى رضوانه ، أو أئمة الدين فإنهم جهة الله
،
وبهم يتوجه إلى الله ورضوانه ومن أراد طاعة الله تعالى يتوجه إليهم . ( 3 )
* ( هامش ) * ( 1 ) قد وقع الخلاف في اسمه فسماه النجاشى والعلامة هاشم بن حيان ،
والشيخ هشام بن حيان ،
والرجل كوفى مولى بنى عقيل ، روى عن أبى عبدالله عليه السلام ، وكان هو وابنه
الحسين وجهين في
الواقفة ، نص على ذلك النجاشى في ترجمة ابنه .
( 2 ) النصرى - بالنون المفتوحة والصاد المهملة - من بنى نصر بن معاوية ، يكنى أبا
على ،
بصرى ثقة ثقة ، روي عن الباقر والصادق وموسى بن جعفر عليهم السلام وزيد بن على .
وروى الكشى
وغيره روايات تدل على مدحه ووثاقته .
( 3 ) قال السيد الرضى ذيل قوله تعالى " كل شئ هالك إلا وجهه " : وهذه استعارة
والوجه
ههنا عبارة عن ذات الشئ ونفسه ، وعلى هذا قوله تعالى في السورة التى فيها الرحمن
سبحانه :
" ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام " أى ويبقى ذات ربك ، ومن الدليل على ذلك الرفع
في قوله :
" ذو الجلال والاكرام " لانه صفة للوجه الذى هو الذات : ولو كان الوجه ههنا بمعنى
العضو المخصوص
على ما ظنه الجهال لكان " ويبقى وجه ربك ذى الجلال والاكرام " فيكون " ذى " صفة
للجملة لاصفة للوجه
الذى هو التخاطيط المخصوص ، كما يقول القائل : رأيت وجه الاميرذى الطول والانعام ،
ولا يقول :
" ذا " لان الطول والانعام من صفات جملته ، لا من صفات وجهه ، ويوضع ذلك قوله في
هذه السورة :
" تبارك اسم ربك ذى الجلال والاكرام " لما كان الاسم غير المسمى وصف سبحانه المضاف
إليه ، ولما كان
الوجه في الاية المتقدمة هو النفس والذات قال تعالى : " ذو الجلال " ولم يقل : " ذى
الجلال والاكرام "
ويقولون : عين الشئ ونفس الشئ على هذا النحو . وقد قيل في ذلك وجه آخر وهو أن يراد
بالوجه ههنا ما قصدالله به من العمل الصالح والمتجر الرابح على طريق القربة وطلب
الزلفة وعلى
ذلك قول الشاعر : " استغفر الله ذنبالست محصيه * رب العباد اليه الوجه والعمل " أى
اليه تعالى قصد
الفعل الذى يستنزل به فضله ودرجات عفوه ، فأعلمنا سبحانه أن كل شئ هالك الاوجه دينه
الذى
يوصل إليه منه ، ويستزلف عنده به ويجعل وسيلة إلى رضوانه وسببا لغفرانه . ( * )
[ 7 ]
14 - يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن علي بن سيف ، عن أخيه الحسين ،
عن أبيه سيف بن عميرة النخعي ، عن خثيمة قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول
الله عز
وجل : " كل شئ هالك إلا وجهه " قال : دينه وكان رسول الله صلى الله عليه واله وأمير
المؤمنين عليه السلام
دين الله ووجهه وعينه في عباده ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده على خلقه ، ونحن وجه
الله
الذي يؤتى منه لن نزال في عباده ما دامت لله فيهم روية . قلت : وما الروية ؟ قال :
الحاجة ،
فإذا لم يكن الله فيهم حاجة رفعنا إليه فصنع ما أحب .
بيان : قال الجوهري : لنا قبلك روية أي حاجة . انتهى . وحاجة الله مجاز عن علم
الخير والصلاح فيهم .
15 - يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن هاشم ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن محمد
ابن علي الحلبي ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله عزوجل : " يوم يكشف عن ساق "
قال :
تبارك الجبار - ثم أشار إلى ساقة فكشف عنها الازار - قال : " ويدعون إلى السجود
فلا يستطيعون " قال : أفحم القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الابصار وبلغت القلوب
الحناجر شاخصة أبصارهم ترهقهم الذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون .
قال الصدوق رحمه الله : قوله عليه السلام : تبارك الجبار - وأشار إلى ساقه فكشف
عنها
الازار - يعني به تبارك الجبار أن يوصف بالساق الذي هذه صفته .
بيان : أفحمته : أسكتته في خصومة أو غيرها .
16 - يد : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن عيسى ، عن البزنطي ، عن الحسين
ابن موسى ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سألته عن قول الله
عزوجل :
" يوم يكشف عن ساق " قال : - كشف إزاره عن ساقه ويده الاخرى على رأسه - فقال :
سبحان
ربي الاعلى .
قال الصدوق : معنى قوله : سبحان ربي الاعلى تنزيه لله عزوجل عن أن يكون
له ساق .
17 - يد ، ن : المكتب والدقاق ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن الحسين بن
الحسن ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن سعيد ، ( 1 ) عن أبي الحسن عليه السلام في
قوله عز
* ( هامش ) * ( 1 ) وفى نسخة : عن الحسين بن سعيد . ( * )
[ 8 ]
وجل : يوم يكشف عن ساق " قال : حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجدا ،
أو تدمج أصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود .
ج : عن الرضا عليه السلام مثله .
بيان : دمج دموجا : دخل في الشئ واستحكم فيه ، والدامج : المجتمع . قوله :
يكشف أي عن شئ من أنوار عظمته وآثار قدرته . واعلم أن المفسرين ذكروا في
تأويل هذه الاية وجوها :
الاول : أن المراد : يوم يشتد الامر ويصعب الخطب ، وكشف الساق مثل في ذلك :
وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب ، قال حاتم :
إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
الثاني : أن المعنى يوم يكشف عن أصل الامر وحقيقته بحيث يصير عيانا ، مستعار
من ساق الشجر وساق الانسان ، وتنكيره للتهويل أو للتعظيم .
الثالث : أن المعنى أنه يكشف عن ساق جهنم ، أوساق العرش ، أوساق ملك
مهيب عظيم .
قال الطبرسي رحمه الله : ويدعون إلى السجود أي يقال لهم على وجه التوبيخ :
اسجدوا فلا يستطيعون . وقيل : معناه أن شدة الامر وصعوبة حال ذلك اليوم تدعوهم
إلى السجود وإن كانوا لاينتفعون به ليس أنهم يؤمرون به ، وهذا كما يفزع الانسان إلى
السجود إذا أصابه هول من أهوال الدنيا . خاشعة أبصارهم أي ذليلة أبصارهم لا يرفعون
نظرهم عن الارض ذلة ومهانة . ترهقهم ذلة أي تغشاهم ذلة الندامة والحسرة وقد
كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون أي أصحاء يمكنهم السجود فلا يسجدون يعني
أنهم كانوا يؤمرون بالصلاة في الدنيا فلم يفعلوا . وروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله
عليهما السلام
أنهما قالا في هذه الآية : أفحم القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الابصار وبلغت القلوب
الحناجر لما رهقهم من الندامة والخزي والمذلة ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم
سالمون أي يستطيعون الاخذ بما امروا به والترك لمانهوا عنه ولذلك ابتلوا .
18 - يد : ابن الوليد ، عن ابن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن ابن
[ 9 ]
سنان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه
السلام في خطبة : أنا
الهادي ، وأنا المهتدي ، وأنا أبواليتامى والمساكين وزوج الارامل ، وأنا ملجأ كل
ضعيف ، ومأمن كل خائف ، وأنا قائد المؤمنين إلى الجنة ، وأنا حبل الله المتين ،
وأنا عروة
الله الوثقى وكلمة التقوى ، وأنا عين الله ولسانه الصادق ويده ، وأنا جنب الله الذي
يقول :
" أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله " وأنا يد الله المبسوطة على عباده
بالرحمة
والمغفرة ، وأنا باب حطة ، من عرفني وعرف حقي فقد عرف ربه لاني وصي نبيه في أرضه ،
وحجته على خلقه ، لا ينكر هذا إلا راد على الله ورسوله .
قال الصدوق : الجنب : الطاعة في لغة العرب ، يقال : هذا صغير في جنب الله أي
في طاعة الله عزوجل ، فمعنى قول أمير المؤمنين عليه السلام : أنا جنب الله أي أنا
الذي ولايتي
طاعة الله ، قال الله عزوجل : " أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله " أي
في
طاعة الله عزوجل .
بيان : روي عن الباقر عليه السلام أنه قال : معنى جنب الله أنه ليس شئ أقرب إلى
الله
من رسوله ، ولا أقرب إلى رسوله من وصية ، فهو في القرب كالجنب ، وقد بين الله تعالى
ذلك في كتابه بقوله : " أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله " يعني في
ولاية
أوليائه . وقال الطبرسي رحمه الله : الجنب : القرب أي يا حسرتى على ما فرطت في قرب
الله
وجواره ، وفلان في جنب فلان أي في قربه وجواره ، ومنه قوله تعالى : " والصاحب
بالجنب "
وهو الرفيق في السفر ، وهو الذي يصحب الانسان بأن يحصل بجنبه لكونه رفيقه قريبا منه
ملا صقاله . انتهى . ( 1 ) والعين أيضا من المجازات الشائعة أي لما كان شاهدا على
عباده مطلعا
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 9 سطر 19 الى ص 17 سطر 4
* ( هامش ) * ( 1 ) قال السيد الرضى رضى الله عنه : وهذه استعارة وقد اختلف في
المراد بالجنب ههنا ، فقال
قوم : معناه في ذات الله ، وقال قوم : معناه في طاعة الله وفى أمر الله ، إلا أنه
ذكر الجنب على مجرى
العادة في قولهم : هذا الامر صغير في جنب ذلك الامر أى في جهته ، لانه اذا عبر عنه
بهذه العبارة دل
على اختصاصه به من وجه قريب من معنى صفته ، وقال بعضهم : معنى " في جنب الله " أى
في سبيل الله
أو في الجانب الاقرب إلى مرضاته بالاوصل إلى طاعاته ، ولما كان الامر كله يتشعب إلى
طريقين :
احديهما هدى ورشاد ، والاخرى غى وضلال ، وكل واحد منهما مجانب لصاحبه ، أى هو في
جانب
والاخر في جانب ، وكان الجنب والجانب بمعنى واحد حسنت العبارة ههنا عن سبيل الله
بجنب الله على
النحو الذي ذكرناه . ( * )
[ 10 ]
عليهم فكأنه عينه ، وكذا واللسان فإنه لما كان يخاطب الناس من قبل الله ويعبر عنه
في
بريته فكأنه لسانه .
19 - شى : عن أبي معمر السعدي ( 1 ) قال : قال علي بن أبي طالب عليه السلام في
قوله : ولا ينظر إليهم " : يعني لا ينظر إليهم بخير لمن لا يرحمهم ، وقد يقول العرب
للرجل
السيد أو للملك : لا تنظر إلينا يعني أنك لا تصيبنا بخير وذلك النظر من الله إلى
خلقه .
20 - يد ، ن : ابن عصام ، عن الكليني ، عن أحمد بن إدريس ، عن ابن عيسى ،
عن علي بن سيف ، عن محمد بن عبيدة قال : سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل
لا بليس :
" ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " قال : يعنى بقدرتي وقوتي .
قال الصدوق رحمه الله : سمعت بعض مشايخ الشيعة بنيسابور يذكر في هذه الآية
أن الائمة عليهم السلام كانوا يقفون على قوله : " ما منعك أن تسجد لما خلقت " ثم
يبتدؤون بقوله :
" بيدي استكبرت أم كنت من العالمين " قال : وهذا مثل قول القائل : بسيفي تقاتلني و
بر محي تطاعنني ، كأنه يقول : بنعمتي عليك وإحساني إليك قويت على الاستكبار و
العصيان .
بيان : ما ورد في الخبر أظهر ما قيل في تفسير هذه الآية ، ويمكن أن يقال في توجيه
التشبيه : إنها لبيان أن في خلقه كمال القدرة ، أو أن له روحا وبدنا أحدهما من عالم
الخلق والآخر من عالم الامر ، أو لانه مصدر لافعال ملكية ، ومنشأ لافعال بهيمية ،
والثانية كأنها أثر الشمال ، وكلتا يديه يمين ، وأما حمل اليد على القدرة فهو شائع
في
كلام العرب ، تقول : مالي لهذا الامر من يدأي قوة وطاقة ، وقال تعالى : " أو يعفو
الذي
بيده عقدة النكاح " .
وقد ذكر في الآية وجوه اخر : أحدها أن اليد عبارة عن النعمة ، يقال : أيادي
فلان في حق فلان ظاهرة ، والمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين
والدنيا .
* ( هامش ) * ( 1 ) يحتمل قويا أن يكون هو عبدالله بن سنجر الازدى الذي عده الشيخ
من أصحاب أمير المؤمنين
عليه السلام ، وحكى عن ابن حجر أنه قال : عبدالله بن سنجر - بفتح المهملة وسكون
المعجمة وفتح
الموحدة - الازدى ، أبومعمر الكوفي ثقة من الثانية . ( * )
[ 11 ]
وثانيها : أن المراد : خلقته بنفسي من غير توسط كأب وام ، وثالثها : أنه كناية عن
غاية
الاهتمام بخلقه ، فإن السلطان العظيم لا يعمل شيئا بيديه إلا إذا كانت غاية عنايته
مصروفة إلى ذلك العمل .
أقول : سيأتي كثير من الاخبار المناسبة لهذا الباب في أبواب كتاب الامامة وباب
اسؤلة الزنديق المدعي للتناقض في القرآن .
} باب 2 {
} تأويل قوله تعالى : ونفخت فيه من روحى ، وروح منه ، {
} وقوله صلى الله عليه وآله : خلق الله آدم على صورته {
1 - يد ، ن : الهمداني ، عن علي ، عن أبيه ، عن علي بن معبد ، عن الحسين بن
خالد قال : قلت للرضا عليه السلام : يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله
صلى الله عليه واله قال :
إن الله خلق آدم على صورته ، فقال : قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث ، إن رسول
الله
صلى الله عليه واله مر برجلين يتسابان ، فسمع أحدهما يقول لصاحبه : قبح الله وجهك
ووجه من
يشبهك . فقال عليه السلام : يا عبدالله لاتقل هذا لاخيك فإن الله عزوجل خلق آدم على
صورته .
ج : مرسلا عن الحسين مثله .
2 - مع : أبي ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن اذينة ، عن محمد بن
مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل : " ونفخت فيه من روحي "
قال :
روح اختاره الله واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه ، وفضله على جميع الارواح فأمر فنفخ
منه في آدم عليه السلام
يد : حمزة العلوي ، عن علي ، عن أبيه مثله .
3 - يد ، مع : غير واحد من أصحابنا ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن الحسين
ابن الحسن ، عن بكر ، عن القاسم بن عروة ، عن عبدالحميد الطائي ، عن محمد بن مسلم
قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل : " ونفخت فيه من روحي " كيف
هذا النفخ ؟
[ 12 ]
فقال : إن الروح متحرك كالريح ، وإنما سمي روحا لانه اشتق اسمه من الريح ، و
إنما أخرجه على لفظة الروح لان الروح مجانس للريح ، وإنما أضافه إلى نفسه لانه
اصطفاه على سائر الارواح كما اصطفى بيتا من البيوت فقال : بيتي وقال لرسول من
الرسل : خليلي وأشباه ذلك ، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر .
ج : مرسلا عن محمد ، عنه عليه السلام .
4 - ج : حمران بن أعين قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل : " وروح
منه " قال : هي مخلوقة خلقها الله بحكمته في آدم وفي عيسى عليهما السلام .
5 - مع : غير واحد ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن علي بن العباس ، عن عبيس
ابن هشام ، عن عبدالكريم بن عمرو ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله عزوجل : "
فإذا سويته
ونفخت فيه من روحي " قال : من قدرتي .
يد : بالاسناد عن العباس ، عن ابن أسباط ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بصير ،
عن أبي جعفر عليه السلام مثله .
6 - يد : القطان ، عن السكري ، عن الحكم بن أسلم ، عن ابن عيينة ، عن
الجريري ، عن أبي الورد بن ثمامة ، ( 1 ) عن علي عليه السلام قال : سمع النبي صلى
الله عليه واله رجلا يقول
لرجل : قبح الله وجهك ووجه من يشبهك ، فقال عليه السلام : مه لاتقل هذا فإن الله
خلق آدم
على صورته .
قال الصدوق رحمه الله : تركت المشبهة من هذا الحديث أوله ، وقالوا : إن الله
خلق آدم على صورته ، فضلوا في معناه وأضلوا .
8 - يد : السناني والمكتب والدقاق جميعا ، عن الاسدي : عن البرمكي ، عن علي
ابن العباس عن عبيس بن هشام ، عن عبدالكريم ابن عمرو ، عن أبي عبدالله عليه السلام
في
قوله عزوجل : " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " قال : إن الله عزوجل خلق خلقا
وخلق روحا ، ثم أمر ملكا فنفخ فيه وليست بالتي نقصت من قدرة الله شيئا هي من قدرته
.
شى : عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام مثله .
* ( هامش ) * ( 1 ) هو أبوالورد بن ثمامة بن حزن القشيرى البصرى ، قال ابن حجر في
تقريب التهذيب ص 617 :
مقبول من السادسة . ( * )
[ 13 ]
9 - يد : ابن المتوكل ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن اذينة ، عن
أبي جعفر الاصم قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن الروح التي في آدم والتي في
عيسى ماهما ؟
قال روحان مخلوقان اختارهما واصطفا هما روح آدم وروح عيسى صلوات الله عليهما .
10 - يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن ابن فضال ، عن الحلبي وزرارة ،
عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى أحد صمد ليس له جوف ، وإنما
الروح
خلق من خلقه ، نصر وتأييد وقوة يجعله الله في قلوب الرسل والمؤمنين .
11 - شى : عن زرارة وحمران ، عن أبي جعفر ، وأبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى
:
يسألونك عن الروح قالا : إن الله تبارك وتعالى ، وذكر مثله .
12 - شى : عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قول الله : "
ونفخت
فيه من روحي فقعوا له ساجدين " قال : روح خلقها الله فنفح في آدم منها .
13 - شى : عن محمد بن اورمة ، عن أبي جعفر الاحوال ، عن أبي عبدالله عليه السلام
قال :
سألته عن الروح التي في آدم ، قوله : " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " قال : هذه
روح
مخلوقة لله ، والروح التي في عيسى بن مريم مخلوقة لله .
14 - شى : في رواية سماعة عنه عليه السلام خلق آدم فنفخ فيه ، وسألته عن الروح
قال : هي من قدرته من الملكوت .
15 - يد : ابن البرقي ، عن أبيه ، عن جده أحمد ، عن أبيه ، عن عبدالله بن بحر ( 1 )
عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عما يروون أن الله
عزوجل
خلق آدم على صورته ، فقال : هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على سائر
الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه ، والروح إلى نفسه فقال
:
بيتي وقال : نفخت فيه من روحي .
ج : عن محمد مثله .
* ( هامش ) * ( 1 ) كوفى صيرفى ، أورده العلامة في القسم الثانى من الخلاصة قال :
عبدالله بن بحر كوفى روى
عن أبى بصير والرجال ضعيف مرتفع القول . قلت : والحديث لا يخلو عن غرابة ، وقد
تقدمت روايات
اخرى بطرق متعددة في معنى الحديث تحت رقم 1 و 7 تعرب عن تدليس وقع في نقل الحديث عن
النبى
صلى الله عليه وآله فارجعها . ( * )
[ 14 ]
بيان : هذا الخبر لاينافي ما سبق ، لانه تأويل على تقدير عدم ذكر أو له ، كما
يرويه من حذف منه ما حذف .
تذنيب : قال السيد المرتضى قدس الله روحه في كتاب تنزيه الانبياء : فإن قيل :
ما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال : إن الله خلق آدم على
صورته ؟ أوليس
ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه وأن له تعالى عن ذلك صورة ؟ قلنا : قد قيل في تأويل
هذا الخبر إن الهاء في " صورته " إذا صح هذا الخبر راجعة إلى آدم عليه السلام ، دون
الله تعالى
فكان المعنى أنه تعالى خلقه على الصورة التي قبض عليها فإن حاله لم يتغير في الصورة
بزيادة ولانقصان كما يتغير أحوال البشر . وذكر وجه ثان وهو على أن تكون الهاء راجعة
إلى الله تعالى ، ويكون المعنى أنه خلقه على الصورة التي اختارها واجتباها لان الشئ
قد يضاف على هذا الوجه إلى مختاره ومصطفاه . وذكر أيضا وجه ثالث وهو أن هذا الكلام
خرج على سبب معروف لان الزهري روي عن الحسن أنه كان يقول : مر رسول الله صلى الله
عليه واله
برجل من الانصار وهو يضرب وجه غلام له ويقول : قبح الله وجهك ووجه من تشبهه ،
فقال النبي صلى الله عليه واله : بئس ما قلت ، فإن الله خلق آدم عليه صورته ، يعني
صورة المضروب .
ويمكن في الخبر وجه رابع وهو أن يكون المراد أن الله تعالى خلق آدم وخلق صورته
لينتفي بذلك الشك في أن تأليفه من فعل غيره لان التأليف من جنس مقدور البشر ، و
الجواهر وما شاكلها من الاجناس المخصوصة من الاعراض هي التي يتفرد القديم تعالى
بالقدرة عليها ، فيمكن قبل النظر أن يكون الجواهر من فعله وتأليفها من فعل غيره
فكأنه عليه السلام أخبر بهذه الفائدة الجليلة وهو أن جوهر آدم وتأليفه من فعل الله
تعالى .
ويمكن وجه خامس وهو أن يكون المعنى أن الله أنشأه على هذه الصورة التي شوهد
عليها على سبيل الابتداء ، وإنه لم ينتقل إليها ويتدرج كما جرت العادة في البشر .
وكل هذه الوجوه جائز في معنى الخبر والله تعالى ورسوله صلى الله عليه واله أعلم
بالمراد . انتهى
كلامه رفع الله مقامه .
أقول : وفيه وجه سادس ذكره جماعة من شراح الحديث ، وهو أن المراد بالصورة
[ 15 ]
الصفة من كونه سميعا بصيرا متكلما ، وجعله قابلا للاتصاف بصفاته الكمالية و
الجلالية على وجه لا يفضي إلى التشبيه ، والاولى الاقتصار على ما ورد في النصوص عن
الصادقين عليهم السلام ، وقدروت العامة الوجه الاول المروي عن أمير المؤمنين وعن
الرضا
صلوات الله عليهما بطرق متعددة في كتبهم .
} باب 3 {
} تاويل آية النور {
1 - يد ، مع : أبي ، عن سعد ، عن ابن يزيد ، عن العباس بن هلال قال : سألت
الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل : " الله نور السموات والارض " فقال : هاد
لاهل السماء
وهاد لاهل الارض .
2 - وفي رواية البرقي : هدى من في السماوات وهدي من في الارض .
3 - ج : عن العباس بن هلال : قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزوجل
" الله نور السموات والارض " فقال عليه السلام : هادي من في السماوات وهادي من
في الارض . ( 1 )
4 - يد ، مع : إبراهيم بن هارون الهيستي ، ( 2 ) عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج ،
عن الحسين بن أيوب ، عن محمد بن غالب ، عن علي بن الحسين ، عن الحسن بن أيوب ، عن
الحسين بن سليمان ، عن محمد بن مروان الذهلي ، عن الفضيل بن يسار ( 3 ) قال : قلت
لابي
عبدالله الصادق عليه السلام : " الله نور السموات والارض " قال : كذلك الله عزوجل
قال :
قلت : " مثل نوره " قال لي : محمد صلى الله عليه واله ، قلت : " كمشكوة " قال : صدر
محمد صلى الله عليه واله ، قلت :
" فيها مصباح " قال : فيه نور العلم يعني النبوة ، قلت : " المصباح في زجاجة " قال
: علم رسول الله
صلى الله عليه واله صدر إلى قلب علي عليه السلام ، ( 4 ) قلت : " كأنها " قال : لاي
شئ تقرأ كأنها ؟ قلت :
* ( هامش ) * ( 1 ) الظاهر اتحاده مع ما قبله .
( 2 ) لعل الصواب : الهيتى ، قال الفيروز آبادى هيت بالكسر : بلدة بالعراق .
( 3 ) في السند رجال لم نجد بيان أحوالهم في التراجم مدحا أو ذما .
( 4 ) في نسخة : صار إلى قلب على عليه السلام . ( * )
[ 16 ]
وكيف جعلت فداك ؟ قال : كأنه كوكب دري ، قلت : " يوقد من شجرة مباركة زيتونة
لاشرقية ولاغربية " قال : ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لايهودي
ولانصراني
قلت : " يكاد زيتها يضيئ ولولم تمسسه نار " قال : يكاد العلم يخرج من فم العالم من
آل
محمد من قبل أن ينطق به ، قلت : " نور على نور " قال : الامام على أثر الامام .
قال الصدوق رحمه الله : إن المشبهة تفسر هذه الآية على أنه ضياء السماوات و
الارض ، ولو كان كذلك لما جاز أن توجد الارض مظلمة في وقت من الاوقات ، لا بالليل
ولا بالنهار ، لان الله هو نورها وضياؤها على تأويلهم ، وهو موجود غير معدوم ،
فوجود
الارض مظلمة بالليل ووجودنا داخلها أيضا مظلما بالنهار يدل على أن تأويل قوله :
" الله نور السموات والارض " هو ما قاله الرضا عليه السلام دون تأويل المشبهة ،
وأنه عز و
جل هادي أهل السماوات والارض ، والمبين لاهل السماوات والارض امور دينهم ( 1 )
ومصالحهم ، فلما كان بالله وبهداه يهتدي أهل السماوات والارض إلى صلاحهم وامور
دينهم كما يهتدون بالنور الذي خلقه الله لهم في السماوات والارض إلى إصلاح دنياهم
قال : إنه نور السماوات والارض على هذا المعنى ، وأجرى على نفسه هذا الاسم توسعا
ومجازا لان العقول دالة على أن الله عزوجل لا يجوز أن يكون نورا ولاضياءا ، ولامن
جنس الانوار والضياء لانه خالق الانوار وخالق جميع أجناس الاشياء ، وقد دل على ذلك
أيضا قوله : مثل نوره وإنما أراد به صفة نوره ، وهذا النور هو غيره لانه شبهه
بالمصباح وضوئه
الذي ذكره ، ووصفه في هذه الآية ولايجوز أن يشبه نفسه بالمصباح لان الله لاشبه
له ولانظير فصح أن نوره الذي شبهه بالمصباح إنما هو دلالته أهل السماوات والارض
على مصالح دينهم وعلى توحيد ربهم وحكمته وعدله ثم بين وضوح دلالته هذه و
سماها نورا من حيث يهتدي بها عباده إلى دينهم وصلاحهم فقال : مثله مثل كوة وهي
المشكاة فيها المصباح والمصباح هو السراج في زجاجة صافية شبيهة بالكوكب الذي
هو الكوكب المشبه بالدر في لونه وهذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية يتوقد (
2 )
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : امورهم . وكذا فيمأتى بعد ذلك .
( 2 ) في نسخة : توقد . ( * )
[ 17 ]
من زيت زيتونة مباركة ، وأراد به زيتون الشام لانه يقال : إنه بورك فيه لاهله ، و
عنى عزوجل بقوله : " لا شرقية ولا غربية " أن هذه الزيتونه ليست بشرقية فلا تسقط
الشمس عليها في وقت الغروب ، ولا غربية ولا تسقط الشمس عليها في وقت الطلوع بل
هي في أعلى شجرها ، والشمس تسقط عليها في طول نهارها ، فهو أجود لها وأضوء لزيتها ،
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 17 سطر 5 الى ص 25 سطر 5
ثم أكد وصفه لصفاء زيتها فقال : " يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار " لما فيها من
الصفاء
فبين أن دلالات الله التي بهادل عباده في السماوات والارض على مصالحهم وعلى امور
دينهم في الوضوح والبيان بمنزلة هذا المصباح الذي في هذه الزجاجة الصافية ، ويتوقد
بها الزيت الصافي الذي وصفه ، فيجتمع فيه ضوء النار مع ضوء الزجاجة وضوء الزيت
هو معنى قوله : " نور على نور " وعنى بقوله عزوجل : " يهدي الله لنوره من يشاء "
يعني من
عباده وهم المكلفون ليعرفوا بذلك ويهتدوا به ويستدلوا به على توحيد ربهم وسائر
امور دينهم ، وقد دل الله عزوجل بهذه الآية وبما ذكره من وضوح دلالاته وآياته
التي دل بها عباده على دينهم أن أحدا منهم لم يؤت فيما صار إليه من الجهل ومن تضييع
الدين لشبهة ولبس دخلا عليه في ذلك من قبل الله عزوجل إذ كان الله عزوجل قد بين
لهم دلالاته وآياته على سبيل ما وصف ، وأنهم إنما اوتوا في ذلك من قبل نفوسهم ( 1 )
بتركهم النظر في دلالات الله والاستدلال بها على الله عزوجل وعلى صلاحهم في دينهم ،
وبين
أنه بكل شئ من مصالح عباده ومن غير ذلك عليم . وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه
سئل
عن قول الله عزوجل : " الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح "
فقال : هو مثل ضربه الله لنا فالنبي والائمة صلوات الله عليهم من دلالات الله
وآياته التي
يهتدى بها إلى التوحيد ومصالح الدين وشرائع الاسلام والسنن والفرائض ، ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم .
5 - فس : حميد بن زياد ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن يحيى ، عن طلحة بن زيد ، (
2 )
* ( هامش ) * ( 1 ) وفى نسخة : من قبل أنفسهم .
( 2 ) هو طلحة بن زيد أبوالخزرج النهدى الشامى ، ويقال : الخزرجى العامى ، روي عن
جعفر بن
محمد عليهما السلام له كتاب ، قاله النجاشى . ووصفه الشيخ في رجاله بالتبرى ، وفى
فهرسه بأنه
عامى المذهب . ( * )
[ 18 ]
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عليهما السلام في هذه الآية " الله نور السموات والارض "
قال :
بدأ بنور نفسه تعالى " مثل نوره " مثل هداه في قلب المؤمن ، قوله : " كمشكوة فيها
مصباح "
المشكاة : جوف المؤمن ، والقنديل : قلبه ، والمصباح : النور الذي جعله الله فيه . "
يوقد
من شجرة مباركة " قال : الشجرة : المؤمن . " زيتونة لا شرقية ولا غربية " قال : على
سواء
الجبل لا غربية أي لا شرق لها ، ولاشرقية أي لا غرب لها ، إذا طلعت الشمس طلعت
عليها
وإذا غربت غربت عليها " يكاد زيتها " يعني يكاد النور الذي جعله الله في قلبه "
يضيئ " وإن
لم يتكلم " نور على نور " فريضة على فريضة ، وسنة على سنة " يهدي الله لنوره من
يشاء "
يهدي الله لفرائضه وسننه من يشاء " ويضرب الله الامثال للناس " وهذا مثل ضربه الله
للمؤمن .
ثم قال : فالمؤمن من يتقلب ( 1 ) في خمسة من النور " مدخله نور ، ومخرجه نور ،
وعلمه نور ،
وكلامه نور ، ومصيره يوم القيامة إلى الجنة نور . قلت : لجعفر عليه السلام : جعلت
فداك يا
سيدي إنهم يقولون : مثل نور الرب ، قال : سبحان الله ، ليس لله بمثل ما قال الله :
فلا تضربوا لله الامثال ؟ .
بيان : قوله عليه السلام : الشجرة : المؤمن لعل المراد أن نور الايمان الذي جعله
الله في قلب المؤمن يتقد من أعمال صالحة هي ثمرة شجرة مباركة هي المؤمن المهتدى
ويحتمل أن يكون المراد بالمؤمن المؤمن الكامل وهو الامام عليه السلام ولايبعد أن
يكون
المؤمن تصحيف الايمان ، أو القرآن ، أو نحن ، أو الامام .
6 - فس : محمد بن همام ، عن جعفر بن محمد ، عن محمد بن الحسن الصائغ ، ( 2 )
* ( هامش ) * ( 1 ) وفى نسخة : فالمؤمن من ينقلب .
( 2 ) ضبط العلامة في القسم الثانى من الخلاصة اسم أبيه مكبرا حيث قال : محمد بن
الحسن - بغير
ياء بعد السين - ابن سعيد الصائغ - بالغين المعجمة - كوفي نزل في بنى ذهل ، أبوجعفر
ضعيف جدا ،
قيل إنه غال لا يلتفت إليه . انتهى . لكن النجاشى عنونه مصغرا ، قال : محمد بن
الحسين بن سعيد الصائغ
كوفى نزل في بنى ذهل ، أبوجعفر ضعيف جدا ، قيل : انه غال ، له كتاب التباشير وكتاب
نوادر
" إلى أن قال " : ومات محمد بن الحسين لاثنتى عشر بقين من رجب سنة تسع وستين ومأتين
، وصلى
عليه جعفر المحدث المحمدى ودفن في جعفى . انتهى " وتبعه الشيخ في ذلك في كتابيه
الرجال والفهرس . ( * )
[ 19 ]
عن الحسن ابن علي ، ( 1 ) عن صالح بن سهل الهمداني ( 2 ) قال : سمعت أبا عبد الله
عليه السلام يقول
في قول الله عزوجل : " الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة " فاطمة عليها
السلام " فيها
مصباح " الحسن ، و " المصباح " الحسين " في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري " كأن
فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا ، " يوقد من شجرة مباركة " يوقد من إبراهيم
عليه السلام
" لا شرقية ولا غربية " لا يهودية ولا نصرانية ، " يكاد زيتها " يكاد العلم ينفجر
منها ( 3 )
" ولولم تمسسه نار نور على نور " إمام بعد إمام " يهدي الله لنوره من يشاء " يهدي
الله
بالائمة عليهم السلام من يشاء .
توضيح : قوله عليه السلام : والمصباح الحسين أي المصباح المذكور في الآية ثانيا ،
وعلي هذا الخبر تكون المشكاة والزجاجة كنايتين عن فاطمة عليها السلام .
7 - كا : علي بن محمد ، عن علي بن العباس ، عن علي بن حماد ، عن عمرو بن شمر ،
عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الله وضع العلم الذي كان عنده عند
الوصي ، وهو
قول الله : " الله نور السموات والارض " يقول : أنا هادي السماوات والارض مثل العلم
الذي
أعطيته وهو نوري الذي يهتدى به مثل المشكاة فيها المصباح ، فالمشكاة قلب محمد صلى
الله عليه واله ،
والصباح النور الذي فيه العلم ، وقوله : " المصباح في زجاجة " يقول : إني اريد أن
أقبضك
فاجعل الذي عندك عند الوصي كما يجعل المصباح في الزجاجة ، " كأنها كوكب دري "
فأعلمهم فضل الوصي ، يوقد من شجرة مباركة " فأصل الشجرة المباركة إبراهيم صلى الله
عليه ، وهو قول الله عزوجل ، " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد "
وهو
قول الله عزوجل : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين
ذرية
* ( هامش ) * ( 1 ) هو الصيرفى .
( 2 ) حكي عن ابن الغضائرى أنه قال : صالح بن سهل الهمدانى كوفى غال كذاب ، وضاع
للحديث
روى عن أبى عبدالله عليه السلام ، لاخير فيه ولا في سائر ما رواه . انتهى وروى
الكشى في ص 218
من رجاله عن محمد بن أحمد ، عن محمد بن الحسين ، عن الحسن بن على الصيرفى ، عن صالح
بن سهل
قال : كنت أقول في أبى عبدالله عليه السلام بالربوبية فدخلت عليه ، فلما نظر إلى
قال : يا صالح
أنا والله عبد مخلوق ، لنا رب نعبده ، وإن لم نعبده عذبنا . انتهى أقول : رواه
الكلينى في الكافى
عن صالح بن سهل ، ورواه أيضا بسند صحيح عن على بن جعفر عن أخيه عليه السلام .
( 3 ) وفى نسخة : يكاد العلم يتفجر منها .
[ 20 ]
بعضها من بعض والله سميع عليم " لا شرقية ولا غربية " يقول : لستم بيهود فتصلوا قبل
المغرب ، ولا نصارى فتصلوا قبل المشرق ، وأنتم على ملة إبراهيم صلوات الله عليه ،
وقد
قال الله عزوجل : " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما
كان
من المشركين " وقوله عزوجل : " يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي
الله
لنوره من يشاء " يقول : مثل أولادكم الذين يولدون منكم كمثل الزيت الذي يعصر
من الزيتون ، يكاد زيتها يضيئ ، يقول : يكادون أن يتكلموا بالنبوة ولو لم ينزل
عليهم
ملك . ( 1 )
أقول : سيأتي الاخبار الكثيرة في تأويل تلك الآية في كتاب الامامة في باب أنهم
أنوار الله .
تنوير : قال البيضاوي : النور في الاصل كيفية تدركها الباصرة أولا ، وبواسطتها
سائر المبصرات ، كالكيفية الفائضة من النيرين على الاجرام الكثيفة المحاذية لهما ،
و
هو بهذا المعني لا يصح إطلاقه على الله تعالي إلا بتقدير مضاف كقولك : زيد كرم
بمعنى
ذو كرم ، أو على تجوز بمعنى منور السماوات والارض - وقد قرئ به - فإنه تعالى نورها
بالكواكب وما يفيض عنها من الانوار ، وبالملائكة والانبياء ، أو مدبرها من قولهم
للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم لانهم يهتدون به في الامور ، أو موجدها فإن
النور
ظاهر بذاته مظهر لغيره ، وأصل الظهور هو الوجود ، كما أن أصل الخفاء هو العدم ،
والله
سبحانه موجود بذاته ، موجد لماعداه ، أو الذي به يدرك ، أو يدرك أهلها من حيث إنه
يطلق على الباصرة لتعلقها به ، أو لمشاركتها له في توقف الادراك عليه ثم على
البصيرة لانها
أقوى إدراكا فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات ، الموجودات و
المعدومات ، ويغوص في بواطنها ويتصرف فيها بالتركيب والتحليل . ثم إن هذه
الادراكات ليست بذاتها ، وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها ، وهو الله
تعالى ابتداءا أو بتوسط من الملائكة والانبياء ، ولذلك سموا أنوارا . ويقرب منه قول
* ( هامش ) * ( 1 ) الحديث ضعيف بعلى بن عباس وغيره . ( * )
[ 21 ]
ابن عباس : معناه هادي من فيهما ، فهم بنوره يهتدون ، وإضافته إليهما للدلالة على
سعة
إشراقه ، ولاشتمالهم على الانوار الحسية والعقلية ، وقصور الادراكات البشرية عليهما
وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما
" مثل نوره " صفة نوره العجيبة الشأن ، وإضافته إلى ضميره سبحانه دليل على أن
إطلاقه عليه لم يكن على ظاهر " كمشكوة " كصفة مشكاة ، وهي الكوة الغير النافذة "
فيها
مصباح " سراج ضخم ثاقب . وقيل : المشكاة " الانبوبة في وسط القنديل ، والمصباح :
الفتيلة
المشتعلة " المصباح في زجاجة " في قنديل من الزجاج " الزجاجة كأنها كوكب دري " مضيئ
متلالئ كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر ، أو فعيل كبريق من الدرء ، فإنه
يدفع الظلام بضوئه ، أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه ، إلا أنه قلب همزته ياءا ، ويدل
عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الاصل ، وقراءة أبي عمرو والكسائي درئ كشريب ، وقد
قرئ به مقلوبا " يوقد من شجرة مباركة زيتونة " أي ابتداء توقد المصباح من شجرة
الزيتون
المتكاثر نفعه بأن رويت زبالتها بزيتها ، وفي إبهام الشجرة ووصفه بالبركة ثم إبدال
الزيتونة عنها تفخيم لشأنها . وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء والبناء للمفعول من
أوقد ، وحمزة والكسائي وأبوبكر بالتاء كذلك على إسناده إلى الزجاجة بحذف المضاف .
وقرئ توقد بمعنى تتوقد وتوقد بحذف التاء لاجتماع الزيادتين وهو غريب " لا شرقية
ولا غربية " يقع الشمس عليها حينا بعد حين بل بحيث يقع عليها طول النهار كالتي تكون
على قلة أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج ، وزيتها أصفى ، أولاثابتة في شرق
المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام ، فإن زيتونه أجود الزيتون ، أولا في مضحى (
1 )
تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ومقناة ( 2 ) تغيب عنها دائما فيتركها نيا . وفي
الحديث :
لاخير في شجرة ولا في نبات في مقناة ، ولاخير فيها في مضحى " يكاد زيتها يضيئ ولو
تمسسه
نار " أي يكاد يضيئ بنفسه من غير نار لتلالوئه وفرط بيضه " نور على نور " متضاعف
فإن
نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل ، وضبط المشكاة لاشعته .
* ( هامش ) * ( 1 ) أرض مضحاة : معرضة للشمس أولا يكاد تغيب عنها الشمس .
( 2 ) المقناة والمقنوة : الموضع الذى لاتطلع عليه الشمس . ( * )
[ 22 ]
وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه :
الاول : أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات البينات في جلاء مضمونها و
ظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة . أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوظ من
ظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح ، وإنما ولى الكاف المشكاة لاشتمالها عليها ،
وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس . أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من
المعارف
والعلوم بنور المشكاة المثبت فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة ابي مثل نور المؤمن .
أو
تمثيل لما منح الله عباده من القوي الدراكة الخمس المترتبة التي بها المعاش والمعاد
،
وهي الحاسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صورة
تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعلمية التي تدرك الحقائق
الكلية ، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم مالم تعلم ، والقوة
القدسية التي يتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالانبياء والاولياء
المعنية بقوله تعالى : " ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا " بالاشياء
الخمسة
المذكورة في الآية ، وهي المشكاة ، والزجاجة ، والمصباح ، والشجرة ، والزيت ، فإن
الحاسة كالمشكاة لان محلها كالكوة ، ووجهها إلى الظاهر لا يدرك ماوراءها وإضاءتها
بالمعقولات لابالذات ، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها
للانوار العقلية ، وإنارتها بما يشتمل عليها من المعقولات ، والعاقلة كالمصباح
لاضاءتها
بالادراكات الكلية ، والمعارف الالهية ، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى
ثمرات
لانهاية لها ، والزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لاتكون شرقية
ولاغربية ، لتجردها عن اللواحق الجسمية ، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة
في القبيلتين ، منتفعة من الجانبين ، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة
ذكائها
تكاد زيتها تضيئ بالمعارف من غير تفكر ولا تعليم .
أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم ،
مستعدة لقبولها كالمشكاة ، ثم ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات ،
بحيث يتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلالئة في نفسها قابلة للانوار ،
[ 23 ]
وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكا الشجرة الزيتونة ، وإن كان بالحدس فكالزيت ،
وإن كان بقوة قدسية فكا الذي يكاد زيتها يضيئ لانها تكاد تعلم وإن لم تتصل بملك
الوحي والالهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنها ، ثم إذا حصلت
لها العلوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت كان كالمصباح ، فإذا استحضرها كان
نورا على نور يهدي الله لنوره الثاقب من يشاء ، فإن الاسباب دون مشيئته لاغية ،
إذبها
تمامها " ويضرب الله الامثال للناس " إدناءا للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا "
والله
بكل شئ عليم " معقولا كان أو محسوسا ، ظاهرا أو خفيا ، وفيه وعدو وعيد لمن تدبرها
ولمن لم يكترث بها . انتهى .
وقال الطبرسي رحمه الله : اختلف في هذا التشبيه والمشبه به على أقوال : أحدها
أنه مثل ضربه الله لنبيه محمد صلى الله عليه واله فالمشكاة صدره ، والزجاجة قلبه ،
والمصباح فيه
النبوة ، لا شرقية ولا غربية أي لا يهودية ولا نصرانية ، يوقد من شجرة مباركة يعني
شجرة النبوة وهي إبراهيم ، يكاد نور محمد يتبين ولو لم يتكلم به كما أن ذلك الزيت
يكاد
يضيئ ولو لم تمسسه نار أي تصيبه النار . وقيل : إن المشكاة إبراهيم ، والزجاجة
إسماعيل ، والمصباح محمد ، كما سمي سراجا في موضع آخر ، من شجرة مباركة يعني
إبراهيم لان أكثر الانبياء من صلبه ، لا شرقية ولا غربية : لا نصرانية ولا يهودية ،
لان النصارى تصلي إلى المشرق ، واليهود تصلي إلى المغرب ، يكاد زيتها يضيئ أي
يكاد محاسن محمد تظهر قبل أن يوحى إليه ، نور على نور أي نبي من نسل نبي . وقيل :
إن
المشكاة عبدالمطلب ، والزجاجة عبدالله ، والمصباح هو النبي صلى الله عليه واله ، لا
شرقية ولا غربية
بل مكية لان مكة وسط الدنيا . وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال : نحن المشكاة ،
والمصباح
محمد صلى الله عليه واله يهدي الله لولايتنا من أحب .
وثانيها : أنها مثل ضربه الله للمؤمن ، المشكاة نفسه ، والزجاجة صدره ، والمصباح
الايمان ، والقرآن في قلبه ، توقد من شجرة مباركة هي الاخلاص لله وحده لاشريك له ،
فهي خضراء ناعمة كشجرة التفت بها الشجر فلا يصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا
طلعت ولا إذا غربت ، وكذلك المؤمن قد احترز من أن يصيبه شئ من الفتن ، فهو بين أربع
[ 24 ]
خلال : إن اعطي شكر ، وان ابتلى صبر ، وإن حكم عدل ، وإن قال صدق ، فهو في
سائر الناس كالرجل الحي يمشي بين قبور الاموات ، نور علي نور كلامه نور وعمله نور
ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى نور يوم القيامة . عن ابي بن كعب .
وثالثها : أنه مثل القرآن في قلب المؤمن فكما أن هذا المصباح يستضاء به وهو كما
هو لا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ويعمل به ، فالمصباح هو القرآن ، والزجاجة
قلب المؤمن ، والمشكاة لسانه وفمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي ، يكاد زيتها
يضيئ تكاد حجج القرآن تتضح وإن لم يقرأ . وقيل : تكاد حجج الله على خلقه تضيئ
لمن تفكر فيها وتدبرها ولو لم ينزل القرآن ، نور على نور يعني أن القرآن نور مع
سائر
الادلة قبله ، فازدادوا به نورا على نور . انتهى كلامه رحمه الله .
} باب 4 {
} معنى حجزة الله عزوجل {
1 - يد : ما جيلويه ، عن عمه ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن محمد بن سنان ، عن أبي
الجاورد ، ( 1 ) عن محمد بن بشر الهمداني ( 2 ) قال : سمعت محمد بن الحنفية يقول :
حدثني
أمير المؤمنين عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله يوم القيامة آخذ بحجزة
الله ، ونحن آخذون بحجزة
نبينا وشيعتنا آخذون بحجزتنا .
قلت : يا أمير المؤمنين وما الحجزة ؟ قال : الله أعظم من أن يوصف بحجزة أو غير
ذلك ، ولكن رسول الله صلى الله عليه واله آخذ بأمر الله ، ونحن آل محمد آخذون بأمر
نبينا ، وشيعتنا
آخذون بأمرنا .
2 - يد ، ن : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن الحسن بن علي الخزاز ، عن أبي
الحسن الرضا عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه واله يوم القيامة آخذ
بحجزة الله ، ونحن
* ( هامش ) * ( 1 ) هو زياد بن المنذر الهمدانى الخارقى الاعمى ، زيدي المذهب ،
وإليه ينسب الجارودية ،
ضعفه الشيخ والعلامة وغيرهما ، وأورد الكشى في رجاله روايات تدل على ذمه .
( 2 ) مجهول . ( * )
[ 25 ]
آخذون بحجزة نبينا ، وشيعتنا آخذون بحجزتنا . ثم قال : الحجزة : النور . ( 1 )
3 - ن ، يد : الدقاق ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن علي بن العباس ، ( 2 )
عن الحسن بن يوسف ، ( 3 ) عن عبد السلام ، عن عمار عن أبي اليقظان ، ( 4 ) عن أبي
عبدالله
عليه السلام قال : يجيئ رسول اله صلى الله عليه واله يوم القيامة آخذا بحجزة ربه ،
ونحن آخذون
بحجزة نبينا ، وشيعتنا آخذون بحجزتنا فنحن وشيعتنا حزب الله وحزب الله هم الغالبون
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 25 سطر 6 الى ص 33 سطر 6
والله ما نزعم أنها حجزة الازار ولكنها أعظم من ذلك ، يجيئ رسول الله صلى الله عليه
واله آخذا
بدين الله ، ونجيئ نحن آخذين بدين نبينا ، ويجيئ شيعتنا آخذين بديننا .
4 - وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : الصلاة حجزة الله ، وذلك أنها تحجز
المصلي عن المعاصي مادام في صلاته . قال الله عزوجل : " إن الصلوة تنهى عن الفحشاء
والمنكر " .
بيان : الاخذ بالحجزة كناية عن التمسك بالسبب الذي جعلوه في الدنيا بينهم و
بين ربهم ونبيهم وحججهم أي الاخذ بدينهم وطاعتهم ومتابعة أمرهم ، وتلك الاسباب
الحسنة تتمثل في الآخرة بالانوار ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن مضامين تلك الاخبار
ترجع إلى أمر واحد ، فقوله عليه السلام : في الخبر الاول : ولكن رسول الله صلى الله
عليه واله آخذ بأمر
الله أي بما عمل به من أوامر الله فيحتج في ذلك اليوم ويتمسك بأنه عمل بما أمره
الله به ،
وكذا النور الذي ورد في الخبر الثاني يرجع إلى ذلك ، إذ الاديان والاخلاق والاعمال
الحسنة أنوار معنوية تظهر للناس في القيامة ، والثالث ظاهر قال الجزري : فيه : إن
الرحم أخذت بحجزة الرحمن أي اعتصمت به والتجأت إليه مستجيرة . وأصل الحجزة
موضع شد الازار ، ثم قيل للازار : حجزة للمجاورة ، واحتجز الرجل بالازار : إذا
شده على وسطه ، فاستعاره لللاعتصام والالتجاء والتمسك بالشئ والتعلق به ، ومنه
الحديث الآخر : ياليتني آخذ بحجزة الله أي بسبب منه .
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الصدوق - رحمه الله - في كتاب العيون : وفى حديث آخر :
الحجزة : الدين .
( 2 ) لعله هو على بن العباس الخزاذينى الرازى الضعيف المرمى بالغلو ، حكى عن جامع
الرواء
رواية البرمكى عنه .
( 3 ) يحتمل كونه الحسن بن على بن يوسف بن بقاح الازدى الثقة ، كما يحتمل كون
عبدالسلام الاتى
بعده هو ابن سالم البجلى الثقة ، نقل النجاشى رواية الحسن بن على بن يوسف بن بقاح
عنه .
( 4 ) كذا في النسخ والظاهر ان كلمة " عن " زائدة وهو عمار بن موسى الساباطي
أبواليقظان . ( * )
[ 26 ]
} باب 5 {
} ففي الرؤية وتاويل الايات فيها {
الايات : النساء " 4 " : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد
سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم 152
الانعام " 6 " : لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير 103
1 - لى : أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن علي بن معبد ، عن واصل ، عن
عبدالله بن سنان ، عن أبيه قال : حضرت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام
ودخل عليه
رجل من الخوارج فقال : يا أبا جعفر أي شئ تعبد ؟ قال الله ، قال : رأيته ؟ قال : لم
تره
العيون بمشاهدة العيان ، ورأته القلوب بحقائق الايمان ، لايعرف بالقياس ، ولا يدرك
بالحواس ، ولايشبه بالناس ، موصوف بالآيات ، معروف بالعلامات ، لا يجوز في حكمه
ذلك الله لا إله إلا هو . قال : فخرج الرجل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته .
( 1 )
يد : أبي ، عن علي ، عن أبيه ، عن علي بن معبد ، عن عبدالله بن سنان ، عن أبيه
مثله
ج : مرسلا عن عبدالله بن سنان ، عن أبيه مثله .
بيان : قوله عليه السلام : بحقائق الايمان أي بالعقائد التي هي حقائق أي عقائد
عقلية
ثابتة يقينية لا يتطرق إليها الزوال والتغير ، هي أركان الايمان ، أو بالانوار
والآثار
التي حصلت في القلب من الايمان ، أو بالتصديقات والاذعانات التي تحق أن تسمى
إيمانا ، أو المراد بحقائق الايمان ما ينتمي إليه تلك العقائد من البراهين العقلية
فإن
الحقيقة ما يصير إليه حق الامر ووجوبه ذكره المطرزي في الغريبين . لايعرف بالقياس
أي بالمقايسة بغيره . وقوله عليه السلام : ولا يشبه بالناس كالتعليل لقوله : لا
يدرك بالحواس .
موصوف بالآيات أي إذا اريد أن يذكر ويوصف يوصف بأن له الآيات الصادرة عنه المنتمية
إليه ، أو أنما يوصف بالصفات الكمالية بما يشاهد من آيات قدرته وعظمته ، وينزه
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : حيث يجعل رسالاته . ( * )
[ 27 ]
عن مشابهتها لما يرى من العجز والنقص فيها . معروف بالعلامات أي يعرف وجوده و
صفاته العينية الكمالية بالعلامات الدالة عليه لا بالكنه .
2 - يد ، لى : القطان والدقاق والسناني ، عن ابن زكريا القطان ، عن محمد
ابن العباس ، عن محمد بن أبي السري ، عن أحمد بن عبدالله بن يونس ، عن ابن طريف ،
عن الاصبغ - في حديث - قال : قام إليه رجل يقال له : ذعلب ، فقال : يا أمير
المؤمنين
هل رأيت ربك ؟ فقال : ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره
قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا . قال : ويلك لم تره العيون بمشاهدة الابصار ، ولكن
رأته القلوب بحقائق الايمان . ويلك يا ذعلب إن ربي لايوصف بالبعد ولا بالحركة ولا
بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب ، لطيف اللطافة لا يوصف
باللطف ،
عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا يوصف
بالغلظ ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة ، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا بمجسة ، قائل لا
بلفظ ،
هو في الاشياء على غير ممازجة ، خارج منها على غير مباينة ، فوق كل شئ ولا يقال شئ
فوقه ،
أمام كل شئ ولا يقال له أمام ، داخل في الاشياء لاكشئ في شئ داخل ، وخارج منها
لاكشئ من شئ خارج . فخر ذعلب مغشيا عليه . الخبر .
بيان : ذعلب بكسر الذال المعجمة وسكون العين المهملة وكسر اللام كما ضبطه
الشهيد رحمه الله . والابصار بفتح الهمزة ويحتمل كسرها . قوله عليه السلام : لطيف
اللطافة
أي لطافته لطيفة عن أن تدرك بالعقول والافهام ، ولا يوصف باللطف المدرك لعباده في
دقائق الاشياء ولطائفها ، وعظمته أعظم من أن يحيط به الاذهان ، وهو لا يوصف بالعظم
الذي يدركه مدارك الخلق من عظائم الاشياء وجلائلها ، وكبر ياؤه أكبر من أن يوصف
ويعبر عنه بالعبادة والبيان ، وهو لا يوصف بالكبر الذي يتصف به خلقه ، وجلالته
أجل من أن يصل إليه أفهام الخلق ، وهو لا يوصف بالغلظ كما يوصف الجلائل من الخلق به
والمراد بالغلظ إما الغلظ في الخلق أو الخشونة في الخلق . قوله عليه السلام : لا
يوصف بالرقة
أي رقة القلب لانه من صفات الخلق بل المراد فيه تعالى غايته . قوله عليه السلام :
مؤمن لا
بعبادة أي يؤمن عباده من عذابه ، من غير أن يستحقوا ذلك بعبادة ، أو يطلق عليه
المؤمن
[ 28 ]
لاكما يطلق بمعنى الايمان والاذعان والتعبد . قوله عليه السلام : لا بلفظ أي من غير
تلفظ
بلسان أو من غير احتياج إلى إظهار لفظ بل يلقي في قلوب من يشاء من خلقه ما يشاء .
3 - لي : علي بن أحمد بن موسى ، عن الصوفي ، عن الروياني ، عن عبدالعظيم
الحسني ، عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قال علي بن موسى الرضا عليه السلام في قول
الله عز
وجل : " وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة " قال : يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها .
يد ، ن : الدقاق ، عن الصوفي مثله .
ج : مرسلا مثله .
بيان : اعلم أن للفرقة المحقة في الجواب عن الاستدلال بتلك الآية على جواز
الرؤية وجوها :
الاول : ما ذكره عليه السلام في هذا الخبر من أن المراد بالناظرة المنتظرة كقوله
تعالى : " فناظرة بم يرجع المرسلون " روي ذلك عن مجاهد ، والحسن ، وسعيد بن جبير
والضحاك ، وهو المروي عن علي عليه السلام . ( 1 ) واعترض عليه بأن النظر بمعنى
الانتظار لا
يتعدى بإلي . واجيب بأن تعديته بهذا المعنى بإلى كثيرة ، كما قال الشاعر :
إني إليك لما وعدت لناظر * * نظر الفقير إلى الغني الموسر
وقال آخر :
ويوم بذي قار رأيت وجوههم * * إلي الموت من وقع السيوف نواظر
والشواهد عليه كثيرة مذكورة في مظانه ، ويحكى عن الخليل أنه قال : يقال :
* نظرت إلي فلان بمعنى انتظرته . وعن ابن عباس أنه قال : العرب تقول : إنما
أنظر إلي الله ثم إلي فلان ، وهذا يعم الاعمي والبصير ، فيقولون : عيني شاخصة إلى
فلان
وطامحة إليك ، ونظري إلي الله وإليك . وقال الرازي : وتحقيق الكلام فيه أن قولهم
في الانتظار : " نظرته " بغير صلة فإنما ذلك في الانتظار لمجيئ الانسان بنفسه ،
فأما إذا
كان منتظرا لرفده ومعونته فقد يقال فيه : نظرت إليه انتهى . واجيب أيضا بأنا لا
نسلم أن لفظة إلي صلة للنظر ، بل هو واحد الآلاء ، ومفعول به للنظر بمعنى الانتظار
،
ومنه قول الشاعر :
* ( هامش ) * ( 1 ) سيجيئ هذا المعني عن أمير المؤمنين عليه السلام تحت رقم 9 . ( *
)
[ 29 ]
أبيض لا يرهب الهزال ولا * * يقطع رحما ولا يخون إلى
أي لا يخون نعمة .
الثانى : أن يكون فيه حذف مضاف أي إلى ثواب ربها أي هي ناظرة إلى نعيم
الجنة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها ، وذكر الوجوه والمراد به أصحاب الوجوه .
روي ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة والتابعين وغيرهم .
الثالث : أن يكون إلى بمعنى عند وهو معنى معروف عند النحاة وله شواهد ،
كقول الشاعر :
فهل لكم فيما إلي فإنني * * طبيب بما أعيى النطاسي حذيما ( 1 )
أي فيما عندي ، وعلى هذا يحتمل تعلق الظرف بناضرة وبناظرة . والاول أظهر .
الرابع : أن يكون النظر إلى الرب كناية عن حصول غاية المعرفة بكشف العلائق
الجسمانية فكأنها ناظرة إليه تعالى كقوله صلى الله عليه واله : ا عبدالله كأنك تراه
.
4 - لى : المكتب ، عن محمد الاسدي ، عن ابن بزيع ، عن الرضا عليه السلام في قول
الله
عزوجل : " لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار " قال : لاتدركه أوهام القلوب فكيف
تدركه أبصار العيون ؟ .
بيان : هذه الآية إحدى الدلالات التي استدل بها النافون للرؤية وقرروها
بوجهين : أحدهما أن إدراك البصر عبارة شائعة في الادراك بالبصر إسنادا للفعل إلى
الآلة ، والادراك بالبصر هو الرؤية بمعني اتحاد المفهومين أو تلازمهما ، والجمع
المعرف
باللام عند عدم قرينة العهدية والبعضية للعموم والاستغراق بإجماع أهل العربية و
الاصول وائمة التفسير ، وبشهادة استعمال الفصحاء ، وصحة الاستثناء ، فالله سبحانه
قد أخبر بأنه لايراه أحد في المستقبل ، فلورآه المؤمنون في الجنة لزم كذبه تعالى
وهو
محال .
واعترض عليه بأن اللام في الجمع لو كان للعموم والاستغراق كما ذكرتم كان قوله :
تدركه الابصار موجبة كلية ، وقد دخل عليها النفي ، فرفعها هو رفع الايجاب الكلي ،
* ( هامش ) * ( 1 ) النطاسى : الطبيب الحاذق ، العالم . والحذيم بالكسر فالسكون
فالفتح من السيوف : القاطع . ( * )
[ 30 ]
ورفع الايجاب الكلي سلب جزئي ، ولو لم يكن للعموم كان قوله : لا تدركه الابصار
سالبة مهملة في قوة الجزئية ، فكان المعني لاتدركه بعض الابصار ، ونحن نقول بموجبة
حيث لا يراه الكافرون ، ولو سلم فلا نسلم عمومه في الاحوال والاوقات فيحمل على نفي
الرؤية في الدنيا جمعا بين الادلة .
والجواب أنه قد تقرر في موضعه أن الجمع المحلى باللام عام نفيا وإثباتا في
المنفي والمثبت كقوله تعالى : " وما الله يريد ظلما للعباد " و " ما علي المحسنين
من سبيل " حتى
أنه لم يرد في سياق النفي في شئ من الكتاب الكريم إلا بمعنى عموم النفى ، ولم يرد
لنفي
العموم أصلا ، نعم قد اختلف في النفي الداخل علي لفظة كل لكنه في القرآن المجيد
أيضا
بالمعنى الذي ذكرنا كقوله تعالي : " والله لا يحب كل مختال فخور " إلي غير ذلك ،
وقد
اعترف بما ذكرنا في شرح المقاصد وبالغ فيه ، وأما منع عموم الاحوال والاوقات فلا
يخفى
فساده فإن النفي المطلق الغير المقيد لاوجه لتخصيصه ببعض الاوقات إذ لاترجيح لبعضها
على بعض ، وهو أحد الادلة على العموم عند علماء الاصول ، وأيضا صحة الاستثناء
دليل عليه ، وهل يمنع أحد صحة قولنا : ما كلمت زيدا إلا يوم الجمعة ، ولا اكلمه إلا
يوم العيد ؟ وقال تعالى : " ولا تعضلوهن " إلى قوله : " إلا أن يأتين " وقال : "
ولا تخرجوهن "
إلي قوله " إلا أن يأتين " وأيضا كل نفي ورد في القرآن بالنسبة إلى ذاته تعالى فهو
للتأبيد
وعموم الاوقات لاسيما فيما قبل هذه الآية ، وأيضا عدم إدراك الابصار جميعا لشئ
لا يختص بشئ من الموجودات خصوصا مع اعتبار شمول الاحوال والاوقات فلا
يختص به تعالى فتعين أن يكون التمدح بعدم إدراك شئ من الابصار له في شئ من
الاوقات .
وثانيهما : أنه تعالى تمدح بكونه لايرى فإنه ذكره في أثناء المدائح ، وما كان
من الصفات عدمه مدحا كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله تعالى عنه ، وإنما قلنا من
الصفات
احترازا عن الافعال كالعفو والانتقام فإن الاول تفضل ، والثاني عدل ، وكلاهما
كمال .
[ 31 ]
5 - لي : الطالقاني ، عن ابن عقدة ، عن المنذر بن محمد ، ( 1 ) عن علي بن إسماعيل
الميثمي ، عن إسماعيل بن الفضل ( 2 ) قال : سألت أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادق
عليهما السلام
عن الله تبارك وتعالى هل يري في المعاد ؟ فقال : سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا
كبيرا يا ابن
الفضل إن الابصار لاتدرك إلا ماله لون وكيفية ، والله خالق الالوان والكيفية .
6 - يد ، ن ، لى : الهمداني ، عن علي ، عن أبيه ، عن الهروي قال : قلت لعلي
ابن موسى الرضا عليهما السلام : يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل
الحديث
أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة ؟ فقال عليه السلام : يا أبا الصلت إن
الله تبارك
وتعالى فضل نبيه محمدا صلى الله عليه واله علي جميع خلقه من النبيين والملائكة وجعل
طاعته طاعته
ومبايعته مبايعته ، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته فقال الله عزوجل : " من يطع
الرسول فقد أطاع الله " وقال : " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق
أيديهم "
وقال : النبي صلى الله عليه واله من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله جل
جلاله . ودرجة النبي
صلى الله عليه وآله في الجنة أرفع الدرجات ، فمن زاره إلي درجته في الجنة من منزله
فقد زارالله
تبارك وتعالى . قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه أن ثواب
لا إله إلا الله النظر إلي وجه الله ؟ فقال عليه السلام : يا أبا الصلت من وصف الله
بوجه كالوجوه
فقد كفر ، ولكن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم هم الذين بهم
يتوجه إلي الله وإلى دينه ومعرفته وقال الله عزوجل : " كل من عليها فإن ويبقى وجه
ربك " وقال عزوجل : " كل شئ هالك إلا وجهه " فالنظر إلي أنبياء الله ورسله
* ( هامش ) * ( 1 ) هو مندر بن محمد بن المنذر بن سعيد بن أبي الجهم القابوسى
أبوالقاسم الثقة ، يوجد ذكره
مع بيان وثاقته في رجال النجاشي ص 298 وفى القسم الاول من الخلاصة ص 84 وفى الكشى ص
350
وفى غيرها من التراجم . وذكر العلامة الطباطبائى قدس الله روحه في فوائده " آل أبي
الجهم
القابوسى " وأطراهم بالثناء وذكر الجميل ، وذكر منهم منذر بن محمد هذا .
( 2 ) هو إسماعيل بن الفضل بن يعقوب بن الفضل بن عبدالله بن الحارث نوفل بن الحارث
بن عبد
المطلب ، من أصحاب أبي جعفر عليه السلام . ثقة من أهل البصرة يوجد ذكره في رجال
الشيخ في باب
رجال الباقر ورجال الصادق عليهما السلام ، وفى الكشي ص 143 وفي القسم الاول من
الخلاصة
ص 5 وفى غيرها من التراجم . ( * )
[ 32 ]
وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة وقد قال النبي صلى
الله عليه واله : من
أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة . وقال صلى الله عليه واله : إن
فيكم من لا يراني
بعد أن يفارقني يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالي لا يوصف بمكان ولا يدرك بالابصار
والاوهام الخبر ( 1 )
ج : مرسلا مثله
7 - لي : ابن ناتانة ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم الكرخي
قال : قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام : إن رجلا رأى ربه عزوجل في منامه فما
يكون ذلك ؟ فقال : ذلك رجل لادين له إن الله تبارك وتعالى لايرى في اليقظة ولافي
المنام ولافي الدنيا ولافي الآخرة .
بيان : لعل المراد أنه كذب في تلك الرؤيا ، أو أنه لما كان مجسما تخيل له
ذلك ، أو أن هذه الرؤيا من الشيطان ، وذكرها يدل على كونه معتقدا للتجسم .
8 - شا ، ج : روى أهل السيرأن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا
أمير
المؤمنين أخبرني عن الله أرأيته حين عبدت الله ؟ فقال له أمير المؤمنين : لم أك
بالذي أعبد
من لم أره فقال : كيف رأيته يا أمير المؤمنين ؟ فقال له : ويحك لم تره العيون
بمشاهدة
العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان ، معروف بالدلالات ، منعوت بالعلامات ،
لايقاس بالناس ، ولايدرك بالحواس . فانصرف الرجل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل
رسالاته .
9 - ج : في خبر الزنديق الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عما توهمه من التناقض
في القرآن قال عليه السلام : وأما قوله تعالي : " وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة
" ذلك في
موضع ينتهي فيه أولياؤ الله عزوجل بعد ما يفرغ من الحساب إلي نهر يسمى الحيوان
يؤمرون بدخول الجنة فمن هذا المقام ينظرون إلي ربهم كيف يثيبهم ، ومنه يدخلون
الجنة فذلك قوله عزوجل في تسليم الملائكة عليهم : " سلام عليكم طبتم فادخلوها
خالدين "
* ( هامش ) * ( 1 ) أورد الحديث بتمامه في الباب الاول تحت رقم 4 . ( * )
[ 33 ]
فعند ذلك اثيبوا بدخول الجنة والنظر إلي ما وعدهم الله عزوجل ، فذلك قوله : " إلى
ربها ناظرة " والناظرة في بعض اللغة هي المنتظرة ، ألم تسمع إلى قوله تعالى : "
فناظرة
بم يرجع المرسلون " أي منتظرة بم يرجع المرسلون
وأما قوله : " ولقد رآه نزلة اخري عند سدرة المنتهى " يعني محمدا صلى الله عليه
وآله حين كان
عند سدرة المنتهى ، حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله عزوجل . وقوله في آخر الآية :
" ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى " رأي جبرئيل عليه السلام في
صورته
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 33 سطر 7 الى ص 41 سطر 7
مرتين : هذه المرة ومرة اخري ، وذلك أن خلق جبرئيل عظيم فهو من الروحانيين
الذين لايدرك خلقهم وصورتهم ( 1 ) إلا رب العالمين . الخبر .
بيان : الوعث والوعثاء : المشقة . قوله صلوات الله عليه : والنظر إلى ما وعدهم الله
يحتمل أن يكون المراد بالنظر الانتظار ، فيكون قوله : والناظرة في بعض اللغة تتمة
وتأييدا للتوجيه الاول ، والاظهر أنه عليه السلام أشار إلي تأويلين : الاول تقدير
مصاف في
الكلام أي ناظرة إلي ثواب ربها فيكون النظر بمعنى الابصار . والثاني أن يكون النظر
بمعنى الانتظار ، ويؤيده ما في التوحيد في تتمة التوجيه الاول : فذلك قوله : " إلى
ربها
ناظرة " وإنما يعني بالنظر إليه النظر إلى ثوابه تبارك وتعالى ، وأرجع عليه السلام
الضمير في
قوله تعالى : " ولقد رآه نزلة اخرى " إلى جبرئيل عليه السلام سيأتي القول فيه .
10 - ج : يونس بن ظبيان قال : دخل رجل على أبي عبدالله عليه السلام قال : أرأيت
الله حين عبدته ؟ قال له : ما كنت أعبد شيئا لم أره . قال : وكيف رأيته ؟ قال : لم
تره
الابصار بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان ، لايدرك بالحواس ،
ولايقاس
بالناس ، معروف بغير تشبيه
11 - ج : عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله : " لا تدركه
الابصار "
قال : إحاطة الوهم ، ألا ترى إلى قوله : " قد جائكم بصائر من ربكم " ليس يعني بصر
العيون " فمن أبصر فلنفسه " ليس يعني من البصر بعينه " ومن عمي فعليها " ليس يعني
عمى
العيون ، إنما عني إحاطة الوهم ، كما يقال : فلان بصير بالشعر ، وفلان بصير بالفقه
،
* ( هامش ) * ( 1 ) وفى نسخة : لا يدرك خلقهم وصفتهم . ( * )
[ 34 ]
وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب ، الله أعظم من أن يرى بالعين .
يد : أبي ، عن محمد العطار ، عن ابن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن عبدالله بن
سنان مثله .
بيان : قوله عليه السلام : الله أعظم من أن يرى بالعين هذا تفريع على ما سبق أي إذا
لم يكن مدركا بالاوهام فيكون أعظم من أن يدرك بالعين ، ويحتمل أن يكون المعنى
أنه أعظم من أن يشك ، أو يتوهم فيه أنه مدرك بالعين حتى يتعرض لنفيه فيكون دليلا
على أن المراد بالابصار الاوهام .
12 - ج : أحمد بن إسحاق قال : كتبت إلي أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام أسأله
عن
الرؤية وما فيه الخلق فكتب عليه السلام : لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي
والمرئي هواء
ينفذه البصر ، فمتى انقطع الهواء وعدم الضياء لم تصح الرؤية ، وفي وجوب اتصال
الضياء بين
الرائي والمرئي وجوب الاشتباه - وتعالى الله عن الاشتباه - فثبت أنه لا تجوز عليه
سبحانه
الرؤية بالابصار لان الاسباب لابد من اتصالها بالمسببات .
13 - يد : ابن إدريس ، عن أبيه ، عن أحمد بن إسحاق ( 1 ) قال : كتبت إلى أبي
الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن الرؤية ومافيه الناس . فكتب : لا تجوز الرؤية
مالم يكن
بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر فإذا انقطع الهواء وعدم الضياء عن الرائي
والمرئي
لم تصح الرؤية ، وكان في ذلك الاشتباه لان الرائي متي ساوى المرئي في السبب الموجب
بينهما في الرؤية وجب الاشتباه ، وكان في ذلك التشبيه ، لان الاسباب لابد من
اتصالها
بالمسببات .
بيان : استدل عليه السلام على عدم جواز الرؤية بأنها تستلزم كون المرئي جسمانيا
ذاجهة وحيز وبين ذلك بأنه لابد أن يكون بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر ،
* ( هامش ) * ( 1 ) هو أحمد بن إسحاق بن عبدالله بن سعد بن مالك الاحوص الاشعرى
أبوعلى القمى ، كان وافد
القميين وشيخهم ، روي عن أبى جعفر الثانى وأبي الحسن عليهما السلام وكان خاصة أبى
محمد عليه السلام و
كان سمن تشرف بلقاء صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ، توجد ترجمته مع
الاطراء والتوثيق
في التراجم ، وأورده الشيخ في كتاب الغيبة في عداد الموثقين الذين كان يرد عليهم
التوقيعات من قبل
المنسوبين للسفارة من الاصل . ( * )
[ 35 ]
وظاهره كون الرؤية بخروج الشعاع ، وإن أمكن أن يكون كناية عن تحقق الابصار
بذلك وتوقفه عليه ، فإذا لم يكن بينهما هواء وانقطع الهواء وعدم الضياء الذي هو
أيضا
من شرائط الرؤية عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية بالبصر ، وكان في ذلك أي في كون
الهواء بين الرائي والمرئي الاشتباه يعني شبه كل منهما بالآخر يقال : اشتبها : إذا
أشبه
كل منها الآخر لان الرائي متى ساوى المرئي وماثله في النسبة إلى السبب الذي أوجب
بينهما في الرؤية وجب الاشتباه ، ومشابهة أحدهما الآخر في توسط الهواء بينهما ،
وكان
في ذلك التشبيه أي كون الرائي والمرئي في طرفي الهواء الواقع بينهما يستلزم الحكم
بمشابهة المرئي بالرائي من الوقوع في جهة ليصح كون الهواء بينهما فيكون متحيزا
ذاصورة وضعية فإن كون الشئ في طرف مخصوص من طرفي الهواء وتوسط الهواء بينه
وبين شئ آخر سبب عقلي للحكم بكونه في جهة ومتحيزا وذا وضع ، وهو المراد بقوله :
لان الاسباب لابد من اتصالها بالمسببات ، ويحتمل أن يكون ذلك تعليلا لجميع ما
ذكر من كون الرؤية متوقفة على الهواء إلى آخر ما ذكر وحاصله يرجع إلي ما ادعاه
جماعة من أهل الحق من العلم الضروري بأن الادراك المخصوص المعلوم بالوجه الممتاز
عن غيره لا يمكن أن يتعلق بماليس في جهة وإلا لم يكن للبصر مدخل فيه ، ولاكسب
لرؤيته بل المدخل في ذلك للعقل فلاوجه حينئذ لتسميته إبصارا ، والحاصل أن الابصار
بهذه الحاسة يستحيل أن يتعلق بما ليس في جهة بديهة ، وإلا لم يكن لها مدخل فيه ،
وهم قد جو زوا الادراك بهذه الجارحة الحساسة ، وأيضا هذا النوع من الادراك يستحيل
ضرورة أن يتعلق بما ليس في جهة ، مع قطع النظر عن أن تعلق هذه الحاسة يستدعي
الجهة والمقابلة . وماذكره الفخر الرازي من أن الضروري لا يصير محلا للخلاف ، وأن
الحكم المذكور مما يقتضيه الوهم ويعين عليه ، وهو ليس مأمونا لظهور خطائه في الحكم
بتجسم الباري تعالى وتحيزه ، وما ظهر خطؤه مرة فلا يؤمن بل يتهم ففاسد لان
خلاف بعض العقلاء في الضروريات جائز كالسوفسطائية والمعتزلة في قولهم بانفكاك
الشيئية والوجود وثبوت الحال ، وأما قوله : بأنه حكم الوهم الغير المأمون فطريف
جدا لانه منقوض بجميع أحكام العقل ، لانه أيضا مما ظهر خطؤه مرارا ، وجميع
[ 36 ]
الهندسيات والحسابيات ، وأيضا مدخلية الوهم في الحكم المذكور ممنوع ، وإنما هو عقلي
صرف عندنا ، وكذلك ليس كون الباري تعالى متحيزا مما يحكم به ويجزم بل هو
تخيل يجري مجرى سائر الاكاذيب في أن الوهم وإن صوره وخيله إلينا لكن العقل
لايكاد يجوزه بل يحيله ويجزم ببطلانه ، وكون ظهور الخطأ مرة سببا لعدم إيتمان
المخطي واتهامه ممنوع أيضا ، وإلاقدح في الحسيات وسائر الضروريات . وقد تقرر
بطلانه في موضعه في رد شبه القادحين في الضروريات
14 - يد : الدقاق ، عن الكليني ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمد بن عبدالجبار ،
عن صفوان بن يحيى قال : سألني أبوقرة المحدث أن أدخله إلي أبى الحسن الرضا عليه
السلام
فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه ، فسأله عن الحلال والحرام والاحكام حتي بلغ
سؤاله التوحيد ، فقال أبوقرة : إنا روينا أن الله عزوجل قسم الرؤية والكلام بين
اثنين ، فقسم لموسى عليه السلام الكلام ولمحمد صلى الله عليه واله الرؤية ، فقال
أبوالحسن عليه السلام : فمن
المبلغ عن الله عزوجل إلى الثقلين الجن والانس : لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار
،
ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شئ أليس محمد صلى الله عليه واله ؟ قال : بلى ،
قال : فكيف يجيئ
رجل إلي الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله
ويقول :
لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار ، ولايحيطون به علما ، وليس كمثله شئ ، ثم
يقول : أنارأيته بعيني ، وأحطت به علما ، وهو على صورة البشر ! أما يستحيون ؟ ما
قدرت
الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشئ ، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر .
قال
أبوقرة : فإنه يقول : " ولقد رآه نزلة اخري " فقال أبوالحسن عليه السلام : إن بعد
هذه الآية
ما يدل على ما رأى حيث قال : " ما كذب الفؤاد ما رأي " يقول : ما كذب فؤاد محمد صلى
الله عليه واله
ما رأت عيناه ، ثم أخبر بما رأى فقال : " لقد رأي من آيات ربه الكبرى " فآيات الله
غير
الله ، وقد قال : ولا يحيطون به علما ، فإذا رأته الابصار فقد أحاطت به العلم ،
ووقعت
المعرفة . فقال أبوقرة فتكذب الروايات ؟ فقال أبوالحسن عليه السلام : إذا كانت
الروايات
مخالفه للقرآن كذبت بها ، وما أجمع المسلمون عليه ( 1 ) أنه لايحيط به علم ولا
تدركه
الابصار وليس كمثله شئ .
* ( هامش ) * ( 1 ) وفى نسخة : وما اجتمع المسلمون عليه . ( * )
[ 37 ]
بيان : اعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير تلك الآيات قوله تعالي : " ما كذب
الفؤاد ما رأي " يحتمل كون ضمير الفاعل في رأي راجعا إلى النبي صلى الله عليه واله
، وإلي الفؤاد .
قال البيضاوي : ما كذب الفؤاد ما رأي ببصره من صورة جبرئيل ، أو الله أي ما كذب
الفؤاد
بصره بما حكاه له ، فإن الامور القدسية تدرك أولا بالقلب ، ثم ينتقل منه إلي البصر
،
أوما قال فؤاده لما رأه : لم أعرفك ، ولو قال ذلك كان كاذبا لانه عرفه بقلبه كما
رآه
بصره ، أو ما رآه بقلبه ، والمعنى لم يكن تخيلا كاذبا ، ويدل عليه أنه سئل عليه
السلام هل رأيت
ربك ؟ فقال : رأيته بفؤادي ، وقرئ ما كذب أي صدقه ولم يشك فيه . " أفتمارونه
على ما يرى " أفتجادلونه عليه من المراء وهو المجادلة . انتهى قوله تعالى : " ولقد
رآه نزلة
اخرى " قال الرازي : يحتمل الكلام وجوها ثلاثة : الاول الرب تعالى ( 1 ) والثاني
جبرئيل عليه السلام ، والثالث الآيات العجيبة الالهية . انتهى . أي ولقد رآه نازلا
نزلة اخرى
فيحتمل نزوله صلى الله عليه واله ونزول مرئية .
فإذا عرفت محتملات تلك الآيات عرفت سخافة استدلالهم بها على جواز الرؤية
ووقوعها بوجوه : الاول أنه يحتمل أن يكون المرئي جبرئيل ، إذا المرئي غير مذكور
في اللفظ ، وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلي هذا الوجه في الخبر السابق .
وروى مسلم
في صحيحه بإسناده عن زرعة ، ( 2 ) عن عبدالله " ما كذب الفؤاد ما رأى " قال : رأي
جبرئيل
عليه السلام له ستمائة جناح . وروى أيضا بإسناده عن أبي هريرة " ولقد رآه نزلة اخرى
" قال :
* ( هامش ) * ( 1 ) قال البغوى في معالم التنزيل : هو قول انس والحسن وعكرمة ،
قالوا : رأى محمد ربه ، وروى
عكرمة عن ابن عباس قال : إن الله اصطفى ابراهيم بالخلة ، واصطفى موسى بالكلام ،
واصطفى محمدا صلى
الله عليه واله بالرؤية ، ونسب القول الثانى إلى ابن مسعود وعائشة وروى بطريقه عن
مسروق قيل : قلت
لعائشة : يا اماه هل رأى محمد صلى الله ربه ؟ فقالت : لقد تكلمت بشئ وقف له شعرى
مما قلت ، أين أنت من ثلاث
من حد ثكهن فقد كاذب : من حدثك أن محمد رأى ربه فقد كذب ثم قرأت : لا تدركه الابصار
وهو اللطيف الخبير
وما كان لبشر أن يكلمه الله وحيا أو من وراء حجاب " إلى أن قالت : ولكنه رأي جبرئيل
في صورته مرتين
أقول أخرجه البخارى في صحيحه ص 175 والمسلم في ج 1 ص 110 من صحيحه ونسب القول
الثانى
الشيخ في التبيان إلى مجاهد والربيع أيضا .
( 2 ) الصحيح كما في نسخة : عن زر " أى ابن جيش " عن عبدالله . أخرجه المسلم في ج 1
ص
109 وكذا حديث أبي هريرة . ( * )
[ 38 ]
رأي جبرئيل عليه السلام بصورته التي له في الخلقة الاصلية . الثاني : ما ذكره عليه
السلام في هذا
الخبر وهو قريب من الاول لكنه أعم منه . الثالث : أن يكون ضمير الرؤية راجعا إلى
الفؤاد ، فعلى تقدير إرجاع الضمير إلى الله تعالى أيضا لافساد فيه . الرابع : أن
يكون
على تقدير إرجاع الضمير إليه عليه السلام وكون المرئي هو الله تعالى المراد بالرؤية
غاية مرتبة
المعرفة ونهاية الانكشاف
وأما استدلاله عليه السلام بقوله تعالى : " ليس كمثله شئ " فهو إما لان الرؤية
تستلزم
الجهة والمكان وكونه جسما أو جسمانيا ، أو لان الصورة التي تحصل منه في المدركة
تشبهه . قوله عليه السلام : حيث قال أي أولا قبل هذه الآية ، وإنما ذكر عليه السلام
ذلك لبيان
أن المرئي قبل هذه الآية غير مفسر أيضا ، بل إنما يفسره ما سيأتي بعدها . قوله عليه
السلام :
وما أجمع المسلمون عليه أي اتفق المسلمون على حقية مدلول ما في الكتاب مجملا ، و
الحاصل أن الكتاب قطعي السند متفق عليه بين جميع الفرق فلا يعارضه الاخبار المختلفة
المتخالفة التي تفردتم بروايتها .
ثم اعلم أنه عليه السلام أشار في هذا الخبر إلي دقيقة غفل عنها الاكثر ، وهي أن
الاشاعرة وافقونا في أن كنهه تعالى يستحيل أن يتمثل في قوة عقلية حتي أن المحقق
الدواني نسبه إلي الاشاعرة موهما اتفاقهم عليه ، وجو زوا ارتسامه وتمثله في قوة
جسمانية ، وتجويز إدراك القوة الجسمانية لهادون العقلية بعيد عن العقل مستغرب
فأشار عليه السلام إلى أن كل ما ينفي العلم بكنهه تعالى من السمع ينفي الرؤية أيضا
فإن
الكلام ليس في رؤية عرض من أعراضه تعالى بل في رؤية ذاته وهو نوع من العلم بكنهه
تعالى . ( 1 )
15 - يد : أبي ، عن محمد العطار ، عن ابن عيسى ، عن البزنطي ، عن الرضا عليه السلام
قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : لما اسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل
عليه السلام مكانا لم يطأه
* ( هامش ) * ( 1 ) لا ملازمة بين الامرين فان حس البصر لاينال إلا الاضواء
والالوان ، وأما جوهر الاجسام أعني
موضوع هذه الاعراض فلايناله شئ من الحواس لاالبصر ولاغيره ، وإنما طريق نيله الفكر
والقياس
والرواية غير متعرضة لشئ من ذلك . ط ( * )
[ 39 ]
جبرئيل قط فكشف لي فأراني الله عزوجل من نور عظمته ما أحب .
16 - يد : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن أبي هاشم الجعفري ، عن
أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : سألته عن الله عزوجل هل يوصف ؟ ( 1 ) فقال : أما
تقرأ القرآن
قلت : بلى ، قال : أما تقرأ قوله عزوجل : " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصاره " ؟
قلت
بلى ، قال : فتعرفون الابصار ؟ قلت : بلى ، قال : وماهي ؟ قلت : أبصار العيون فقال
:
إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون فهو لا تدركه الاوهام ، وهو يدرك الاوهام .
بيان : أكثر أي أعم إدراكا فهو أولى بالتعرض لنفيه .
17 - يد : الدقاق ، عن الاسدي ، عمن ذكره ، عن محمد بن عيسى ، عن أبي هاشم
الجعفري قال : قلت لابي جعفر علي بن الرضا عليه السلام : " لا تدركه الابصار وهو
يدرك
الابصار " فقال : يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون ، أنت قد تدرك
بوهمك
السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولم تدركها ببصرك ( 2 ) فأوهام القلوب لا
تدركه ،
فكيف أبصار العيون ؟
ج : عن الجعفري مثله .
18 - يد : الدقاق ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن ابن أبان ، عن بكر بن
صالح ، ( 3 ) عن الحسن بن سعيد ، عن إبراهيم بن محمد الخزاز ومحمد بن الحسين قالا :
دخلنا علي أبي الحسن الرضا عليه السلام فحكينا له ما روي أن محمدا صلى الله عليه
واله رأى ربه في هيئة
الشاب الموفق في سن أبناء ثلاثين سنة ، رجلاه في خضرة وقلنا : إن هشام بن سالم ( 4
)
* ( هامش ) * ( 1 ) أي هل يوصف بأنه مرئى .
( 2 ) وفى نسخة : ولا تدركها ببصرك .
( 3 ) مشترك بين الضعيف والمجهول .
( 4 ) هو هشام بن سالم الجو اليقى الكوفى ، مولى بشر بن مروان أبوالحكم روى عن أبى
عبدالله
وأبى الحسن عليهما السلام ، ثقة ثقة جليل ، مقرب عند الائمة ، وكان متكلما جدليا ،
أطراه الرجاليون
كلهم بالوثاقة ، وأبرؤوا ساحته عما نسب إليه من الاقوال الشنيعة والاعتقادات
الفاسدة . ( * )
[ 40 ]
وصاحب الطاق ( 1 ) والميثمي ( 2 ) يقولون : إنه أجوف إلى السرة والباقي صمد ، فخر
ساجدا ثم قال : سبحانك ما عرفوك ولاوحدوك فمن أجل ذلك وصفوك ، سبحانك لو
عرفوك لو صفوك بما وصفت به نفسك ، سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم أن شبهوك بغيرك
إلهي لا أصفك إلا بما وصفت به نفسك ، ولا اشبهك بخلقك ، أنت أهل لكل خير ، فلا
تجعلني من القوم الظالمين . ( 3 )
ثم التفت إلينا فقال : ما تو همتم من شئ فتوهموا الله غيره . ثم قال : نحن آل
محمد النمط الوسطى الذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي ، يا محمد إن رسول الله
صلى الله عليه واله
حين نظر إلى عظمة ربه كان في هيئة الشاب الموفق وسن أبناء ثلاثين سنة ، يا محمد عظم
ربي
وجل أن يكون في صفة المخلوقين .
قال : قلت : جعلت فداك من كانت رجلاه في خضرة ؟ قال : ذاك محمد صلى الله عليه واله
كان إذا
نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب ، إن نور
الله
* ( هامش ) * ( 1 ) هو محمد بن على بن النعمان أبوجعفر ، الملقب بمؤمن الطاق ، وشاه
الطاق ، ويلقبه
المخالفون بشيطان الطاق ، كان ثقة متكلما حاذقا حاضر الجواب ، له مناظرات مع أبى
حنيفة و
حكايات ، قال النجاشى : أما منزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر ، وقد نسب إليه
أشياء لم تثبت
عندنا .
( 2 ) لقب لجماعة من الاصحاب : منهم أحمد بن الحسن بن إسماعيل ، وعلى بن إسماعيل ،
وعلى
ابن الحسن ، ومحمد بن الحسن بن زياد وغيرهم وحيث اطلق فلابد في تشخيصه من الرجوع
إلى
القرائن ، ويحتمل قويا بفرينة موضوع الحديث بل يتعين كون الميثمى الواقع في الحديث
هو على
ابن إسماعيل الذى ترجمة النجاشى في ص 176 من رجاله بقوله : على بن إسماعيل بن شعيب
بن ميثم
بن يحيى التمار ، أبوالحسن مولى بنى أسد كوفى ، سكن البصرة ، وكان من وجوه
المتكلمين من أصحابنا
كلم أبا الهذيل والنظام ، له مجالس وكتب : منها كتاب الامامة ، كتاب الطلاق ، كتاب
النكاح ،
كتاب مجالس هشام بن الحكم ، كتاب المتعة . انتهى . وقيل : كان في زمان الكاظم عليه
السلام من
الفضلاء المعروفين والمتكلمين المتدققين وربما يظهر أنه كان من تلامذة هشام . قلت :
توجد جملة
من حجاجه ومناظراته مع أبى الهذيل العلاف وضرار في مسألة الامامة في ص 5 و 9 و 52
من الطبعة
الثانية من الفصول المختارة ، ومع رجل نصرانى ورجل ملحد وغيره في ص 31 و 39 و 44 ،
فما في
الوافى من أن الميثمى هذا هو أحمد بن الحسن مما لم نجد عليه دليلا بل الشاهد قائم
على خلافه .
( 3 ) وفى نسخة : فلا تجعلنى مع القوم الظالمين . ( * )
[ 41 ]
منه اخضر ما اخضر ، ( 1 ) ومنه احمر ما احمر ، ومنه ابيض ما ابيض ، ومنه غير ذلك ،
يا محمد
ما شهد به الكتاب والسنة فنحن القائلون به .
بيان : قوله عليه السلام : النمط الوسطى - وفي الكافي الاوسط - قال الجزري : في
حديث
علي عليه السلام : خير هذه الامة النمط الاوسط ، النمط : الطريقة من الطرائق
والضروب ،
يقال : ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك الضرب ، والنمط : الجماعة من الناس
أمرهم واحد . انتهى قوله عليه السلام : لا يدركنا الغالي في أكثر النسخ بالغين
المعجمة ، وفي
بعضها بالعين المهملة ، وعلى التقديرين المراد به من يتجاوز الحد في الامور أي
لايدركنا
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 41 سطر 8 الى ص 49 سطر 8
ولا يلحقنا في سلوك طريق النجاة من يغلو فينا أوفي كل شئ ، والتالي أي التابع لنا
لا يصل إلي النجاة إلا بالاخذ عنا فلا يسبقنا بأن يصل إلى المطلوب لا بالتوصل بنا .
و
في الكافي : إن نور الله منه أخضر ، ومنه أحمر ، ومنه أبيض ومنه غير ذلك . وسيأتي
في باب
العرش في خبر أبي الطفيل إن الله خلق العرش من أنوار مختلفة فمن ذلك النور نور أخضر
اخضرت منه الخضرة ، ونور أصفر اصفرت منه الصفرة ، ونور أحمر احمرت منه الحمرة ، و
نور أبيض وهو نور الانوار ومنه ضوء النهار
ثم اعلم أنه يمكن إبقاء الحجب والانوار علي ظواهرها بأن يكون المراد بالحجب
أجساما لطيفة مثل العرش والكرسي يسكنها الملائكة الروحانيون كما يظهر من بعض
الدعوات والاخبار أي أفاض عليه شبيه نور الحجب ليمكن له رؤية الحجب كنور
الشمس بالنسبة إلى عالمنا ، ويحتمل التأويل أيضا بأن يكون المراد بها الوجوه التي
يمكن الوصول إليها في معرفة ذاته تعالى وصفاته إذ لاسبيل لاحد إلى الكنه ، وهي
تختلف باختلاف درجات العارفين قربا وبعدا فالمراد بنور الحجب قابلية تلك المعارف
وتسميتها بالحجب إما لانها وسائط بين العارف والرب تعالى كاحجاب ، وأولانها
موانع عن أن يسند إليه تعالى مالا يليق به ، أو لانها لمالم تكن موصلة إلى الكنه
فكأنها
حجب إذ الناظر خلف الحجاب لاتتبين له حقيقة الشئ كما هي .
وقيل : إن المراد بها العقول فإنها حجب نور الانوار ووسائط النفوس الكاملة ،
( 1 ) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : إن نور الله منه أخضر اخضر منه ما اخضر ، وكذا
فيما بعده . ( * )
[ 42 ]
والنفس إذا استكملت ناسبت نوريتها نورية تلك الانوار فاستحقت الاتصال بها و
الاستفادة منها فالمراد بجعله في نور الحجب جعله في نور العلم والكمال مثل نور
الحجب
حتي يناسب جوهر ذاته جوهر ذاتهم فيستبين له ما في ذواتهم ، ولا يخفى فساده على
اصولنا
بوجوه شتى .
وأما تأويل ألوان الانوار فقد قيل فيه وجوه :
الاول : أنها كناية عن تفاوت مراتب تلك الانوار بحسب القرب والبعد من
نور الانوار ، فالابيض هو الاقرب ، والاخضر هو الابعد كأنه ممزج بضرب من الظلمة
والاحمر هو المتوسط بينهما ثم مابين كل اثنين ألوان اخرى كألوان الصبح والشفق
المختلفة في الالوان لقربها وبعدها من نور الشمس .
الثانى : أنها كناية عن صفاته المقدسة فالاخضر قدرته على إيجاد الممكنات
وإفاضته الارواح التي هي عيون الحياة ومنابع الخضرة ، والاحمر غضبه وقهره على
الجميع بالاعدام والتعذيب ، والابيض رحمته ولطفه على عباده كما قال تعالي : " وأما
الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله " .
الثالث : ما استفدته من الوالد العلامة قدس الله روحه وذكر أنه مما افيض عليه
من أنوار الكشف واليقين ، وبيانه يتوقف على تمهيد مقدمة وهي أن لكل شئ مثالا
في عالم الرؤيا والمكاشفة ، وتظهر تلك الصور والامثال على النفوس مختلفة باختلاف
مراتبها في النقص والكمال ، فبعضها أقرب إلى ذي الصورة ، وبعضها أبعد ، وشأن المعبر
أن ينتقل منها إلى ذواتها
فإذا عرفت هذا فالنور الاصفر عبارة عن العبادة ونورها كما هو المجرب في
الرؤيا فإنه كثيرا ما يرى الرائي الصفرة في المنام فيتيسر له بعد ذلك عبادة يفرح
بها
وكما هو المعاين في جباه المتهجدين ، وقد ورد في الخبر في شأنهم أنه ألبسهم الله من
نوره لما خلوابه . والنور الابيض : العلم لانه منشأ للظهور وقد جرب في المنام أيضا
والنور الاحمر : المحبة كما هو المشاهد في وجوه المحبين عند طغيان المحبة وقد جرب
في الاحلام أيضا . والنور الاخضر : المعرفة ، كما تشهد به الرؤيا ويناسبه هذا الخبر
،
[ 43 ]
لانه عليه السلام في مقام غاية العرفان كانت رجلاه في خضرة ، ولعلهم عليهم السلام
إنما عبروا
عن تلك المعاني على تقدير كونها مرادة بهذه التعبيرات لقصور أفهامنا عن محض الحقيقة
كما تعرض على النفوس الناقصة في الرؤيا هذه الصور ، ولانا في منام طويل من الغفلة
عن الحقائق كما قال عليه السلام : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا . وهذه التأويلات
غاية ما يصل
إليه أفهامنا القاصرة ، والله أعلم بمراد حججه وأوليائه عليهم السلام .
19 - يد : ابن الوليد ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن ابن أبي عمير ، عن مرازم ، عن
أبي عبدالله عليه السلام قال : سمعته يقول : رأى رسول الله صلى الله عليه واله ربه
عزوجل - يعني بقلبه -
وتصديق ذلك ما حدثنا به ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن أبي الخطاب ، عن محمد بن
الفضيل قال : سألت أبا الحسن عليه السلام هل رأى رسول الله صلى الله عليه واله ربه
عزوجل ؟ فقال :
نعم بقلبه رآه أما سمعت الله عزوجل يقول : " ما كذب الفؤاد ما رآى " لم يره بالبصر
ولكن رآه بالفؤاد .
20 - يد : أبي ، عن سعد ، عن الاصفهاني ، عن المنقري ، عن حفص أو غيره قال
سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل : " لقدر آى من آيات ربه الكبرى "
قال : رأي
جبرئيل على ساقه الدر مثل القطر على البقل له ستمائة جناح قد ملا ما بين السماء
والارض .
21 - يد : الدقاق ، عن الاسدي ، عن علي بن أبي القاسم ، عن يعقوب بن إسحاق ( 1 )
قال : كتبت إلي أبي محمد عليه السلام أسأله كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه ؟ فوقع
عليه السلام :
يا أبا يوسف جل سيدي ومولاي والمنعم علي وعلى آبائي أن يرى . قال : وسألته هل
رأي رسول الله صلى الله عليه واله ربه ؟ فوقع عليه السلام : أن الله تبارك وتعالى
أرى رسوله بقلبه من
نور عظمته ما أحب .
* ( هامش ) * ( 1 ) قال المصنف قدس الله روحه في كتابه مرآة العقول ذيل الحديث : ظن
أصحاب الرجال
أن يعقوب بن إسحاق هو ابن السكيت والظاهر أنه غيره لان ابن السكيت قتله المتوكل في
زمان
الهادى عليه السلام ولم يلحق أبا محمد عليه السلام انتهى . أقول : أدرك ابن السكيت
من بدء عمر أبي محمد
عليه السلام اثني عشر سنة أو أزيد لان العسكرى عليه السلام ولدفى سنة 330 أو 31 أو
32 على اختلاف .
وقتل المتوكل ابن السكيت في سنة 244 كما في تاريخ الخلفاء ، وابن خلكان وغيرهما ،
فعلى ذلك لايبعد
روايته عنه عليه السلام ، ولا يتوقف صحة روايته عنه عليه السلام على زمان إمامته
وفوت أبيه عليه السلام . ( * )
[ 44 ]
22 - يد : ابن إدريس ، عن أبيه ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن ابن
حميد ( 1 ) قال : ذاكرت أبا عبدالله عليه السلام فيما يروون من الرؤية ، فقال :
الشمس جزء من
سبعين جزءا من نور الكرسي ، والكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش ، والعرش
جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب ، والحجاب جزء من سبعين جزءا من نور السر ،
فإن كانوا صادقين فليملؤوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب .
بيان : لعله تمثيل وتنبيه على عجز القوى الجسمانية ، وبيان لان لادراكها
حدا لا تتجاوزه ، ويحتمل أن يكون تنبيها بضعف القوي الظاهرة على ضعف القوي
الباطنة ، أي كما لايقدر بصرك في رأسك على تحديق النظر إلي الشمس فكذلك لا يقدر
عين قلبك على مطالعة شمس ذاته وأنوار جلاله ، والاول أظهر .
23 - يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن البزنطي ، عن أبي الحسن الموصلي
عن أبي عبدالله عليه السلام قال : جاء حبر ( 2 ) إلي أمير المؤمنين عليه السلام
فقال : يا أمير المؤمنين
هل رأيت ربك حين عبدته ؟ فقال : ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره . قال : وكيف رأيته
قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الابصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان .
24 - يد : الدقاق ، عن الاسدي ، عن النخعي ، عن النوفلي ، عن البطائني ، عن
أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قلت له : أخبرني عن الله عزوجل هل
يراه
المؤمنون يوم القيامة ؟ قال : نعم وقدرأوه قبل يوم القيامة . فقلت : متى ؟ قال :
حين قال
لهم : " ألست بربكم قالوا بلى " ثم سكت ساعة ثم قال : وإن المؤمنين ليرونه في
الدنيا
قبل يوم القيامة ، ( 3 ) ألست تراه في وقتك هذا ؟ .
* ( هامش ) * ( 1 ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء ، هو عاصم بن حميد
الحناط الحنفى أبوالفضل
الكوفى ، ثقة ، عين ، صدوق روى عن أبى عبدالله عليه السلام .
( 2 ) الحبر بفتح الحاء وكسره وسكون الباء : رئيس الكهنة عند اليهود ويطلق على عالم
من علمائهم
أيضا .
( 3 ) لان في القيامة يظهر آثار عظمته وكبريائه وملكوته وسلطانه أشد الظهور ،
ويرتفع حجب
الشكوك والاوهام وأستار الجحد والعناد عن القلوب ، فما من نفس إلا وهى مذعنة
لربوبيته و
موقنة بالوهيته ، وخاشعة لعظمته وكبريائه ، وصعق من في السماوات والارض ، كل أتوه
داخرين
وعنت الوجوه للحى القيوم وقدخاب من حمل ظلما . وإليه الاشارة بقوله تعالى : " لقد
كنت في غفلة " ( * )
[ 45 ]
قال أبوبصير : فقلت له : جعلت فداك فاحدث بهذا عنك ؟ فقال : لافإنك إذا
حدثث به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه وكفر ، وليست
الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالي الله عما يصفه المشبهون والملحدون .
25 - لى ، يد : ابن المتوكل ، عن السعد آبادي ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن أحمد
ابن النضر ، عن محمد بن مروان ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن عبدالله بن
عباس في
قوله عزوجل : " فلما أفاق قال سبحانك إني تبت إليك وأنا أول المؤمنين " قال : يقول
:
سبحانك تبت إليك من أن أسألك رؤية ، وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى .
قال الصدوق رحمه الله : إن موسى عليه السلام علم أن الله عزوجل لايجوز عليه الرؤية
وإنما سأل الله عزوجل أن يريه ينظر إليه عن قومه حن ألحوا عليه في ذلك ، فسأل
موسى ربه ذلك من غير أن يستأذنه ، فقال : " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن
انظر إلي الجبل فإن استقر مكانه " في حال تدكدكه ( 1 ) " فسوف تراني " ومعناه أنك
لاتراني أبدا ، لان الحبل لايكون ساكنا متحركا في حال أبدا ، وهذا مثل قوله عز
وجل : " ولا يدخلون الجنة حتي يلج الجمل في سم الخياط " ومعناه أنهم لايدخلون الجنة
أبدا كما لايلج الجمل في سم الخياط أبدا " فلما تجلى ربه للجبل " أي ظهر بآية من
آياته
وتلك الآية نور من الانوار التي خلقها ألقى منها على ذلك الجبل " فجعله دكا وخر
موسى صعقا " من هول تدكدك ذلك الجبل على عظمه وكبره ، فلما أفاق قال سبحانك
تبت إليك أي رجعت إلى معرفتي بك عادلا عما حملني عليه قومي من سؤالك الرؤية ، ولم
تكن
هذه التوبة من ذنبه لان الانبياء لا يذنبون ذنبا صغيرا ولاكبيرا ، ولم يكن
الاستيذان
* ( هامش ) * * من هذا وبصرك اليوم حديد " هذا حال غير أوليائه وأصفيائه ، وأما
عباد الله الصالحون فلهم الدنيا
والاخرة سيان فما رأون شيئا إلا ويرون الله قبله وبعده ومعه بل لو كشف الغطاء ما
ازدادوا يقينا
وبالجملة ما يمنع عن رؤيته وظهور براهين وجوده وشواهد قدرته هو التوغل والانهماك في
الماديات
وتعلق القلب بالدنيا وزخرفها وإلا فهو ظاهر مشهور ، لم يحتجب عن خلقه ، ولم يمنعهم
عن عرفان
جماله ، ولنعم ما قال زين العابدين عليه العلاة والسلام : انك لاتحتجب عن خلقك إلا
أن تحجبهم
الامال دونك .
( 1 ) في التوحيد المطبوع : في حال تزلزله وتدكدكه . ( * )
[ 46 ]
قبل السؤال بواجب عليه لكنه كان أدبا أن يستعمله ويأخذ به نفسه متى أراد أن يسأله ،
على أنه قد روى قوم أنه قد استأذن في ذلك فأذن له ليعلم قومه بذلك أن الرؤية لا
تجوز على الله عزوجل . وقوله : وأنا أول المؤمنين يقول : أنا أول المؤمنين - من
القوم
الذين كانوا معه وسألوه أن بسأل ربه أن يريه ينظر إليه - بأنك لاترى .
والاخبار التي رويت في هذا المعنى وأخرجها مشايخنا - رضى الله عنهم - في
مصنفاتهم عندي صحيحة ، وإنما تركت إيرادها في هذا الباب خشية أن يقرأها جاهل
بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عزوجل وهو لايعلم .
والاخبار التي ذكرها أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره والتي أوردها محمد بن أحمد
ابن يحيى في جامعه في معنى الرؤية صحيحة لا يردها إلا مكذب بالحق أو جاهل به ، و
ألفاظها ألفاظ القرآن ، ولكل خبر معنى ينفي التشبيه والتعطيل ، ويثبت التوحيد ، وقد
أمرنا الائمة صلوات الله عليهم أن لانكلم الناس إلا على قدر عقولهم ، ومعنى الرؤية
هنا
الواردة في الاخبار : العلم ، وذلك أن الدنيا دارشكوك وارتياب وخطرات ، فإذا كان
يوم القيامة كشف للعباد من آيات الله واموره في ثوابه وعقابه ما تزول به الشكوك و
يعلم حقيقة قدرة الله عزوجل وتصديق ذلك في كتاب الله عزوجل : " لقد كنت في غفلة
من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " فمعنى ما روي في الحديث أنه عزوجل
يرى أي يعلم علما يقينيا ، كقوله عزوجل : " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " وقوله :
ألم تر
إلى الذي حاج إبراهيم في ربه " وقوله " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف
حذر
الموت " وقوله : " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأشباه ذلك من رؤية القلب و
ليست من رؤية العين ، وأما قول الله عزوجل : " فلما تجلى ربه للجبل " ( 1 ) فمعناه
: لما
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الرضى في تلخيصه : هذه استعارة على أحد وجهى التأويل وهو أن
يكون المعنى : فلما
حقق تعالى بمعرفته لحاضرى الجبل الايات التى أحدثها في العلم بحقيقته عوارض الشبه
وخوالج
الريب ، وكأن معرفته سبحانه تجلت لهم من غطاء أو برزت لهم من حجاب . وأما التأويل
الاخر و
هو أن يقدر في الكلام محذوف ، هو سلطانه أو أمره سبحانه ، ويكون تقدير الكلام :
فلما تجلى أمر
ربه أو سلطان ربه للجبل ، ويكون ذلك مثل قوله : " وجاء ربك " أى ملائكة ربك أو أمر
ربك
أو عقاب ربك ، وهذه استعارة من وجه آخر وهو من حيث وصف الامر أو السلطان بالتجلى
وإنما
المتجلى حاملهما والوارد بهما .
[ 47 ]
ظهر عزوجل للجبل بآية من آيات الآخرة التي يكون بها الجبال سرابا ، والذي
ينسف بها الجبال نسفا ، تدك دك الجبل فصار ترابا لانه لم يطق حمل تلك الآية . وقد
قيل : إنه بداله نور العرش
وتصديق ما ذكرته ما حدثنا به تميم القرشي ، عن أبيه ، عن حمدان بن سليمان ،
عن علي بن محمد بن الجهم قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى
عليهما السلام فقال له المأمون : يا ابن رسول الله أليس من قولك : إن الانبياء
معصومون ؟ قال :
بلى ، فسأله عن آيات من القرآن فكان فيما سأل أن قال له : فما معنى قول الله عزوجل
:
" ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني " الآية ؟
كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أن الله تعالى ذكره
لا يجوز
عليه الرؤية حتى يسأله عن هذا السؤال ؟ .
فقال الرضا عليه السلام : إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله
تعالي عن أن
يرى بالابصار ، ولكنه لما كلمه الله عزوجل وقربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم
أن الله عزوجل كلمه وقربه وناجاه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت
وكان القوم سبعمائة ألف رجل فاختار منهم سبعين ألفا ، ثم اختار منهم سبعة آلاف ، ثم
اختار منهم سبعمائة ، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه فخرج بهم إلي طور سيناء
فأقامهم في سفح الجبل ، ( 1 ) وصعد موسى عليه السلام إلي الطور ، وسأل الله تبارك
وتعالى
أن يكلمه ويسمعهم كلامه ، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل
ويمين وشمال ووراء وأمام ، لان الله عزوجل أحدثه في الشجرة ، ثم جعله منبعثا منها
حتي سمعوه من جميع الوجوه فقالوا : لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله
حتى نرى الله جهرة ، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عز و
جل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا ، فقال موسى : يا رب ما أقول لبني إسرائيل
إذا رجعت إليهم وقالوا : إنك ذهبت بهم فقتلتهم لانك لم تكن صادقا فيما ادعيت
من مناجاة الله إياك ؟ فأحياهم الله وبعثهم معه ، فقالوا : إنك لو سألت الله أن
يريك
* ( هامش ) * ( 1 ) سفح الجبل : أصله وأسفله ، عرضه ومضطجعه الذى يسفح أى ينصب فيه
الماء . ( * )
[ 48 ]
تنطر إليه لاجابك ، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته ! فقال موسى عليه السلام :
يا قوم
إن الله لايري بالابصار ولا كيفية له ، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه . فقالوا :
لن
نؤمن لك حتي تسأله
فقال موسى عليه السلام : يا رب إنك قدسمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم
فأوحي الله جل جلاله إليه : يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك
قال موسى عليه السلام : " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلي الجبل فإن
استقر مكانه "
وهو يهوي " فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل " بآياته " جعله دكا وخر موسى صعقا
فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " يقول : رجعت إلي معرفتي بك عن جهل قومي " وأنا
أول المؤمنين " منهم بأنك لاترى . فقال المأمون : لله درك ( 1 ) يا أبا الحسن .
الخبر .
ن : تميم القرشي مثله .
بيان : اعلم أن المنكرين للرؤية والمثبتين لها كليهما استدلوا بما ورد في تلك
القصة على مطلوبهم فأما المثبتون فاحتجوا بها بوجهين :
الاول : أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لانه
حينئذ إما أن يعلم امتناعه أو يجهله فإن علمه فالعاقل لا يطلب المحال لانه عبث ، و
إن جهله فالجاهل بما لايجوز على الله تعالي ويمتنع لا يكون نبيا كليما .
واجيب عنه بوجوه :
الاول : ما ورد في هذا الخبر من أن السؤال إنما كان بسبب قومه لالنفسه لانه كان
عالما بامتناعها ، وهذا أظهر الوجوه واختاره السيد الاجل المرتضى في كتابي تنزيه
الانبياء
وغرر الفوائد ، وأيده بوجوه : منها حكاية طلب الرؤية من بني إسرائيل في مواضع كقوله
تعالى : " فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة
بظلمهم "
وقوله تعالى : " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتي نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة
وأنتم
تنظرون " . ومنها : أن موسى عليه السلام أضاف ذلك إلى السفهاء ، قال الله تعالى : "
فلما أخذتهم
الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " وإضافة
ذلك إلى السفهاء تدل على أنه كان بسببهم ومن أجلهم حيث سألوا مالايجوز عليه تعالى .
* ( هامش ) * ( 1 ) أي لله ما خرج منك من خير . ( * )
[ 49 ]
فإن قيل : فلم أضاف السؤال إلى نفسه ووقع الجواب مختصا به ؟ قلنا : لا يمتنع
وقوع الاضافة على هذا الوجه ، مع أن السؤال كان لاجل الغير إذا كانت هناك دلالة
تؤمن من اللبس ، فلهذا يقول أحدنا - إذا شفع في حاجة غيره - للمشفوع إليه : أسألك
أن
تفعل بي كذا وتجيبنى إلى ذلك ، ويحسن أن يقول المشفوع إليه : قد أجبتك وشفعتك ، وما
جرى مجرى ذلك ، على أنه قد ذكر في الخبر ما يغني عن هذا الجواب .
وأما ما يورد في هذا المقام من أن السؤال إذا كان للغير فأي جرم كان لموسى حتى
تاب منه ؟ فأجاب عليه السلام بحمل التوبة على معناه اللغوي أي الرجوع أي كنت قطعت
النظر عما كنت أعرفه من عدم جواز رؤيتك ، وسألت ذلك للقوم فلما انقضت المصلحة
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 4 من ص 49 سطر 9 الى ص 57 سطر 9
في ذلك تركت هذا السؤال ورجعت إلى معرفتي بعدم جواز رؤيتك وما تقتضيه من عدم
السؤال .
وأجاب السيد قدس الله روحه عنه بأنه يجوز أن يكون التوبة لامر آخر غير
هذا الطلب ، أو يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى الله تعالى ، وإظهار
الانقطاع إليه ، والتقرب منه ، وإن لم يكن هناك ذنب . والحاصل أن الغرض من ذلك
إنشاء التذلل والخضوع ، ويجوز أن يضاف إلى ذلك تنبيه القوم المخطئين على التوبة
مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه ، بل أقول : يحتمل أن يكون التوبة من قبلهم
كما
كان السؤال كذلك .
الثانى : أنه عليه السلام لم يسأل الرؤية بل تجوز بها عن العلم الضروري لانه لازمها
،
وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع سيما استعمال رأى بمعنى علم وأرى بمعنى أعلم
والحاصل أنه سأله أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة التي تضطره
إلى المعرفة ، فتزول عنه الدواعي والشكوك ، ويستغني عن الاستدلال كما سأل إبراهيم
عليه السلام : " رب أرني كيف تحيي الموتي "
الثالث : أن في الكلام مضافا محذوفا أي أرني آية من آياتك أنظر إلى آيتك ، و
حاصلة يرجع إلى الثاني .
الرابع : أنه عليه السلام سأل الرؤية مع علمه بامتناعها لزيادة الطمأنينة بتعاضد
دليل
[ 50 ]
العقل والسمع ، كما في طلب إبراهيم عليه السلام ، وحاصله يرجع إلى منع أن العاقل لا
يطلب
المحال الذي علم استحالته إذ يمكن أن يكون الطلب لغرض آخر غير حصول المطلوب
فلايلزم العبث لجواز ترتب غرض آخر عليه ، والعبث مالافائدة فيه أصلا ، ولعل في هذا
السؤال فوائد عظيمة سوى ما ذكر أيضا ولايلزمنا تعيين الفائدة بل على المستدل أن يدل
على انتفائها مطلقا ، ونحن من وراء المنع ، ومما يستغرب من الاشاعرة أنهم أجمعوا
على
أن الطلب غير الارادة ، واحتجوا عليه بأن الآمر ربما أمر عبده بأمر وهو لايريده ،
بل
يريد نقيضه ، ثم يقولون ههنا : بأن طلب ما علم استحالته لايتأتى من العاقل .
الثانى من وجهى احتجاجهم : هو أنه تعالي علق الرؤية على استقرار الجبل وهو
أمر ممكن في نفسه ، والمعلق على الممكن ممكن لان معنى التعليق أن المعلق يقع على
تقدير وقوع المعلق عليه ، والمحال لايقع على شئ من التقادير ويمكن الجواب عنه
بوجوه أوجهها أن يقال : التعليق إما أن يكون الغرض منه بيان وقت المعلق وتحديد
وقوعه بزمان وشرط ومن البين أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، وإما أن يكون
المطلوب فيه مجرد بيان تحقق الملازمة وعلاقة الاستلزام بأن يكون لافادة النسبة التي
بين الشرط والجزاء مع قطع النظر عن وقوع شئ من الطرفين وعدم وقوعه ، ولايخفى
على ذي لب أن لا علاقة بين استقرار الجبل ورؤيته تعالى في نفس الامر ولا ملازمة ،
على
أن إفادة مثل هذا الحكم وهو تحقق علاقة اللزوم بين هاتين القضيتين لا يليق بسياق
مقاصد القرآن الحكيم مع ما فيه من بعده عن مقام سؤال الكليم فإن المناسب لماطلب
من الرؤية بيان وقوعه ولا وقوعه ، لامجرد إفادة العلاقة بين الامرين فالصواب حينئذ
أن يقال : المقصود من هذا التعليق بيان أن الجزاء لايقع أصلا بتعليقه على ما لايقع
، ثم
هذا التعليق إن كان مستلزما للعلاقة بين الشرط والجزاء فواجب أن يكون إمكان الجزاء
مستتبعا لامكان الشرط لان ماله هذه العلاقة مع المحال لايكون ممكنا على ما هو
المشهور
من أن مستلزم المحال محال ، وإلا فلاوجه لوجوب إمكان الجزاء والاول وإن كان
شائع الارادة من اللفظ إلا أن الثاني أيضا مذهب معروف للعرب كثير الدوران بينهم ،
وهو عمدة البلاغة ودعامتها ، ومن ذلك قول الشاعر :
[ 51 ]
إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب ( 1 )
ومعلوم أن مشيب الغراب وصيرورة القار كالحليب لاملازمة بينهما وبين إتيان
الشاعر أهله .
ونظيره في الكتاب الكريم كثير كتعليق خروج أهل النار منها على ولوج الجمل
في سم الخياط وبعيد من العاقل أن يدعي علاقة بينهما ، وإذا كان ذلك التعليق أمرا
شائعا
كثير الوقوع في كلامهم فلاترجيح للاحتمال الاول بل الترجيح معنا ، فإن البلاغة في
ذلك ، وأما إذا تحقق العلاقة في الواقع بينهما وعلق عليه لمكان تلك العلاقة فليس له
ذلك الموقع من حسن القبول ألاترى أن المتمني لوصال حبيبه الميت لو قال : إذا رجع
الموتى إلى الدنيا أمكن لي زيارة الحبيب لم يكن كقول الصب المتحسر على مفارقة
الاحباء : متى أقبل الامس الدابر وحيي الميت الغابر طمعت في اللقاء . وأيضا لايخفي
على ذي فطرة أن التزام تحقق علاقة لزوم بين استقرار الجبل في تلك الحال وبين رؤيته
تعالي بحيث لو فرض وقوع ذلك الاستقرار امتنع أن لايقع رؤيته تعالي مستبعد جدا
يكاد يجزم العقل ببطلانه فإذن المقصود من ذلك الكلام مجرد بيان انتفائه بتعليقه على
أمر غير واقع ، ويكفي في ذلك عدم وقوع المعلق عليه ، ولا يستدعى امتناع المعلق
امتناعه ،
ولو سلم فنقول : إن المعلق عليه هو الاستقرار لامطلقا بل في المستقبل وعقيب النظر ،
بدلالة
الفاء وإن ، وذلك لانه إذا دخل ا